هذا المعنى ، فانّ الواحد منّا لو أخبره الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بشيء من ذلك لكان له أن يحكي ما قال الرسول وان وقع المخبر به على وفق قوله ، ويدل على ذلك قوله بعد وصف الأتراك وقد قال له بعض أصحابه في ذلك المقام : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك وقال للرجل - وكان كلبيا - : ( يا أخا كلب ليس هذا بعلم غيب ، وانما هو تعلم من ذي علم ، وانما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله : * ( ( إِنَّ الله عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ ) ) * من ذكر وأنثى ، وقبيح وجميل ، وشقي وسعيد ، ومن يكون للنار حطبا ، أو في الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فعلمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي ) ، وهذا تصريح بأنه تعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنا نقول : إنا لم ندع أنه عليه السّلام يعلم الغيب ، بل المدعى أنه كان لنفسه القدسية استعداد أن تنتقش بالأمور الغيبية عن إفاضة جود الله تعالى ، وفرق بين الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وبين ما ادعيناه ، فان المراد بعلم الغيب هو العلم الذي لا يكون مستفادا عن سبب يفيده وذلك إنّما يصدق في حق الله تعالى إذ كل علم لذي علم عداه فهو مستفاد من جوده إما بواسطة أو بغير واسطة فلا يكون علم غيب وإن كان إطلاعا على أمر غيبي لا يتأهل للاطلاع عليه كل الناس ، بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية كما قال تعالى * ( ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) ) * فإذا عرفت ذلك ظهر أن كلامه عليه السّلام صادق مطابق لما أردناه فإنه نفى أن يكون ما قاله علم غيب لأنه مستفاد من جود الله تعالى ، وقوله : ( وانما هو تعلم من ذي علم ) إشارة إلى واسطة تعليم الرسول له وهو اعداد نفسه على طول الصحبة بتعليمه ، وإشارة إلى كيفية السلوك وأسباب التطوع والرياضة حتى استعد للانتقاش بالأمور الغيبية والإخبار عنها ، وليس التعليم - وان كان أمرا قد يلزم ايجاد العلم - فتبين اذن أن تعليم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لم يكن مجرد توقيفه على الصور الجزئية بل اعداد نفسه بالقوانين الكلية ،
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 190
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١٩٠