وهلا كان منه ما أنبأ آدم الملائكة بأسمائهم أمرا من الله : * ( ( قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ) ) * ( البقرة : 33 ) .
وهلا كان منه تلكم البشارات الجملة المحكية عن التوراة والإنجيل والزبور وصحف الماضين وزبر الأولين بنبوة نبي الإسلام وشمائله ، وتاريخ حياته ، وذكر أمته ليس هناك أي منع وحظر إن علم الله أحدا ممن خلق مما شاء وأراد من الغيب المكتوم ما كان أو سيكون ، من علم السماوات والأرضين ، من علم الأولين والآخرين ، من علم الملائكة والمرسلين ، كما لم ير وازع إذا حبا أحدا بعلم ما شاء من الشهادة وأراه ما خلق كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، ولا يتصور عندئذ قط اشتراك مع المولى سبحانه في صفة العلم بالغيب ولا العلم بالشهادة ، ولو بلغ علم العالم أي مرتبة رابية .
وكذلك الحال في علم الملائكة ، لو أذن الله تعالى إسرافيل مثلا وقد نصب بين عينيه اللوح المحفوظ الذي فيه تبيان كل شيء أن يقرأ ما فيه ، ويطلع عليه لم يشارك الله قط في صفة العلم بالغيب ، ولا يلزم منه الشرك .
فلا مقايسة بين العلم الذاتي المطلق وبين العرضي المحدود ، ولا بين ما لا يكيف بكيف ، ولا يؤين بأين وبين المحدود والمقيد ، ولا بين الأزلي الأبدي وبين الحادث الموقت ، ولا بين التأصلي وبين المكتسب من الغير ، كما لا يقاس العلم النبوي بعلم غيره من البشر ، لاختلاف طرق علمهما ، وتباين الخصوصيات والقيود المتخذة في علم كل منهما مع الاشتراك في امكان الوجود .
فالعلم بالغيب على وجه التأصل والاطلاق من دون قيد بكم وكيف كالعلم بالشهادة على هذا الوجه انما هو من صفات الباري سبحانه ويخصان بذاته لا مطلق العلم بالغيب والشهادة وهذا هو المعنى نفيا واثباتا في مثل قوله تعالى : * ( ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله ) ) * « النمل : 65 »
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 187
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١٨٧