الأعلم الأبصر الأنظم ، الذي هو كالعنقاء في هذا العالم . أوليس هذا الكلام
بالنسبة إليهما رزية هائلة تحرق بها القلوب في الصدور ، وتسيل بها الدموع من
العيون ؟ !
ثم نقول : هذا الأعلم المقدم قوله على الشهيد والمحقق من أصحابنا أو
من العامة ، أما من الأصحاب ، فلم نجد من أحتمل فيه غير الإمامية فضلا "
عن التصريح به ، وكل من تأخر عنهما تلقوا قولهما فيه بالقبول كما عرفت ، ولا
ادعاه هذا الجارح أيضا " ، ولو فرض وجوده في كلام أحد ، وفرض أعلميته في
هذا الفن على الشهيد ( رحمه الله ) فالواجب تقديم قوله أيضا " ، لأنه ( رحمه الله )
شهد بإماميته بالحس والعيان ، وسمع منه ذلك أيضا " ، وصاحبه بعد ذلك إلى
حين وفاته ، وكل من نسب إليه غير ذلك فإنما استظهره من بعض أفعاله وأقواله
وكلماته ، مما هو مشابه لمذاهبهم ، وكثيرا " ما يصدر من أعاظم العلماء تقية ومماشاة
وتحبيبا " مثل ذلك .
ومن هنا قلنا في مسألة تقديم الجرح على التعديل المعنونة في الأصول
وكتاب القضاء في الفقه : إن ما ذكروه في وجه تقديم الجرح على التعديل في غير
صورة التكاذب من أن الإخبار بالعدالة - من حيث هو مع قطع النظر عن
فرض بعض الخصوصيات - إخبار بأمر وجودي ، هو : الملكة وعدمي ، هو :
عدم صدور الكبيرة مثلا " ، ولا ريب أن الإخبار بالأمر العدمي مستنده عدم
العلم أو الأصل ، فلا يعارض به ما هو بمنزلة الدليل بالنسبة إليه - أعني إخبار
الجارح بالموجود - فالجارح مقدم على المعدل لعدم المعارضة بينهما كالأصل
والدليل ، فلا يلزم به تكذيب المعدل ، بخلاف تقديم المعدل ، فإن لازمه
تكذيب الجارح ، ومقتضى وجوب تصديق العادل هو الجمع .
ومن هنا قال في الشرايع : ولو اختلف الشهود بالجرح والتعديل قدم
خاتمة المستدرك — صفحة 382
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٣٨٢