الذي بين جوانحي ، وما بغما أو نغما إلّا ولبّاهما لبّي وجميع جوارحي ، فهي فداؤهما وطوع إرادتهما ، ما أحلى الرؤوف وإدلاله ، وما أحسن الحسن وخصاله ، وما أرقّهما وأروقهما ، وما أقربهما إلى القلب وألصقهما ، بلّغنا اللّه فيهما الآمال ، وجعلهما من أعلام الرجال ، كما جعلهما من أنجب الأطفال .
أخذت كتابك الحافل ، بما لك من الهمم والفضائل ، مع كتب الآيتين والحجّتين أدام اللّه وارف ظلالهم ، ثمّ وافانا كتابكم الآخر مع كتاب الهيئة العلميّة أعزّها اللّه تعالى ، فسرّني ما ذكرتموه من النهضة ، وساءني عدم ترتّب شيء مّا من الآثار عليها ، فكأ نّا لم نصنع شيئا .
وزادني همّا وغمّا وكربا أنّكم استشعرتم من كتبي ما لا نشعر به ، وفهمتم منها ما لا تدلّ عليه بواحدة من الدلالات - استشعرتم منها تعرّض الوهابيّين ( بالهدم ) للحرم النبوي أعزّه اللّه تعالى وحماه ، الأمر الذي لم يقع إلى الآن منهم ، وإن كان متوقّعا في المستقبل ؛ لكونه من الواجبات عندهم بحكم الضرورة من مذهبهم ، لكنّهم أخّروه إذ لم تستتبّ لهم أسبابه ، وإنّما تستتبّ بتمويت عواطف المسلمين شيئا فشيئا ، وقد جرّبوا العواطف ، فخرّبوا أوّلا مقام حبر الامّة وابن عمّ نبيّها صلى الله عليه وآله وسلم ، وفعلوا في الطائف ما فعلوا من القتل الذريع والنهب الفظيع ، وارتكبوا فيها ما ارتكبوا من الفظائع والفجائع ، فلم ينتطح في ذلك عنزان ، فثنّوا بتدمير المشاهد والمعاهد وبعض المساجد بمكّة المعظّمة ، فلم يروا قامعا ولا وازعا فهدّموا مقام سيّد الشهداء في أحد ، ومقام امّ البشر في جدّة ، فلم يجدوا حابسا لعنانهم ، ولا رادّا لعرامهم ، فجاؤوا بها في البقيع سواء شنعاء ، ملء الأرض والسماء ، ومتى هدأت الأجراس ، وخفقت الأنفاس ، وثبوا على الضريح النبوي لا محالة ، لا يرتاب في ذلك أحد ممّن يعرف الوهابيّين أو يعلم الضروريّات من مذهبهم ، وقد استاؤوا من طاغيتهم ببقاء القبّة النبويّة ، واحتجّوا عليه في ذلك بأشدّ لهجة ، فاضطرّوه إلى الذهاب في هذه الأيّام إلى نجد لإقناعهم في إرجاء هدمها إلى
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 446
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٤٤٦