صليب العود ولا مشيع القلب ، ولكنّه كما قيل :
وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن عندها والنزالا
وأمّا فتح الحجاز فلم يكن بشدّة بأسه ولا بقوّة جنده ، ولا بوفور عتاده ولا بحسن رأيه وتدبيره ، وإنّما كان بمعونة ملك الحجاز له على نفسه ، حيث وكل بملكه الحوادث ، وتركه رهن الطوارق ، وألقى أزمّته إلى أيدي المقادير ، فكأ نّه أطلق بذلك للنجدي عنانه ، وخلّاه وشأنه ، وأمدّه وأملى له ، ولو أيقظ رأيه وأسهر له قلبه لما ظفر عدوّ اللّه بطائل ، ولا بلّ لهاته من ماء الحجاز بناطل .
أمّا الإمام فقد شدّ حيازيمه ، وقام على ساقه ، وأخذ عدّته وعتاده ، وأيقظ قلبه ورأيه ، فأكرم به نهّاضا بأموره ، حولا قلّبا إمام قوم اولي عزيمة حذّاء ، وصريمة محكمة ، وقد أظلم الجوّ بينهم وبين هذا المارق ، وأغبر أفق السياسة بينهما ، ولا أرى ابن رسول اللّه وبقيّة الأئمّة من آله الطاهرين إلّا وقد عقد على عداوة عدوّ اللّه صريمته ، وضرب على منابذته أطنابه ، وتلك فرصة يترصّدها أولو الهمم والعزائم ممّن تصبو نفوسهم إلى خطير المساعي ، وتنزع هممهم إلى بلوغ الأماني ، وتطمح أنظارهم إلى إنقاذ الحرمين ومشاعر اللّه تعالى وحجّاج بيته الحرام ، فإنّه لا منقذ لهم سوى صارم سطوة هذا الإمام ، وبأس جنوده المظفّرة ، وقد يرى الإمام ذلك على حبل ذراعه ويأخذه على ضمانه .
فمن غير سدنة الدين يركب في هذه المهمّة ظهور العوائق ، ومن غيرهم يتخطّى إليها رقاب الموانع ، ومن أولى منهم بخوض اللجج وسفك المهج في هذا السبيل ، ومن غيرهم تلقى إليه مقاليد الأمور ، ويستسلم إليه بالثقة ، فلا يحدج بسوء .
وقد أوينا منهم أيّدهم اللّه إلى ركن منيع ، وأنزلنا آمالنا منهم منزل صدق ، ونزعنا إليهم برجائنا ، ورفعنا إليهم حاجتنا ، فإن أفلحنا نشرنا على آلائهم رياط الحمد ، ونطنا شكرهم قلائد في الأعناق ، والذي نتوقّعه منهم أعزّهم اللّه تعالى ، إنّما هو السعي في