والية بالفضل ينطق من محاسن خلاله ، ويتمثّل في منطقه وأفعاله ، وبالأريحيّة تمدّ باعه ، وتملكه هزّتها ، وبالنفس العظيمة بين جنبيه ، تتجافى عن مقاعد الكبر ، وتنأى عن مذاهب العجب .
وبالأخلاق تجعله ألين من أعطاف النسيم ، وأعذب من كوثر جنّات النعيم ، وبالحلم في طبعه لا تصدع صفاته ، ولا تستثار قطاته ، كالطود لا تقلقله العواصف ، والبحر لا تكدّره الدلاء .
ويمينا بوجهه الكريم يترقرق فيه ماء البشر ، وتطّرد فيه نظرة الجمال والبهاء ، فيقبل على جلسائه بنطق تبلّجه ونور تأجّجه ، بكلّ عطف ولطف ، فيمتزج بأرواحهم لرقّته ، وتشربه قلوبهم لعذوبته .
وللّه ألفاظه وأساليبه كانت هي الزلال أو أرقّ ، ومعانيه ومغازيه كانت هي السحر أو أدقّ ، يتدفّق فيها تدفّق اليعبوب ، فيملك بها الأسماع والأبصار والقلوب ، يستفرغ من أوعية شتّى ، وبحار محيطة سائغة ، فمجالسه مدارس آهلة بجميع العلوم والفنون ، يستفيد منها المبتدئ والمتوسّط والمنتهون ، يرفعون له إذا نطق حجاب سمعهم ، ويوطئون له مهاد طبعهم .
وقسما بالعلوم قد استبطن دخائلها ، واستجلى غوامضها ، ومحّص حقائق الفقه منها والأصول ، فاستوى على مرقاة الأئمّة من آل الرسول ، فإذا هو فصل الخطاب في أحكامهم ، ومفصل الصواب بين حلالهم وحرامهم ، لا يرد قوله على ذي لبّ ، فيصدر إلّا عن تقدير وإعجاب .
وأمّا وجوامع الكلم قد أوتيها ، ونوابغ الحكم قد حبيها ، تتدفّق عن لسانه ، وتتفجّر عن بيانه ، لقد هتك الجزع عليه وعلى صنوه من قبله قميص قلبي ، ومزّق كتائب صبري ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . كلمة أعدّها لكلّ صدمة ، وأتلقّى بها كلّ لطمة . أمّا الحزن فسرمد ، وأمّا الليل فمسهّد ، أو يختار اللّه لي دارهما ، وما أسرع
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 169
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص١٦٩