شرح
بل ربما يدعى أن البخار لا يقبل الحكم بالنجاسة والطهارة ، لأنهما يختصان
بالأجسام ذات الكثافة المستقرة في الوجود ، دون مثل الدخان والبخار والهواء وإن
كانت أجساما حقيقة ، ولذا لا ريب في عدم تنجسها بملاقاة النجاسة مع الرطوبة ،
فيمتنع استصحاب الحكم السابق للعلم بانقطاعه ، بل ينبغي استصحاب عدمه ولو
بنحو استصحاب العدم الأزلي .
ولا ينبغي أن يقاس بالغبار الذي لا ريب في قبوله الحكم بالطهارة
والنجاسة ، كما لا ريب في بقاء النجاسة بتحول التراب النجس إليه وعوده ترابا
بالتجمع .
للفرق بينهما عرفا ، فإن صيرورة الماء بخارا ورجوع البخار ماء من سنخ
التحول عرفا ، فالبخار مباين عرفا للماء وله نحو وجود لا يقبل الطهارة والنجاسة ،
بخلاف الغبار ، فإنه لا يبتني على التحول ، بل على محض تفرق الأجزاء الترابية
بعد اجتماعها ، الذي لا إشكال في عدم دخله في القابلية للنجاسة والطهارة .
فالذي ينبغي أن يقاس بالغبار هو تفرق الأجزاء المائية بدفع الهواء ونحوه ،
الذي لا إشكال في بقاء الحكم معه أيضا .
لكن الانصاف أن البخار وإن لم يكن من سنخ الغبار ، إلا أنه لا مجال للجزم
بخروجه عن قابلية الحكم بالنجاسة ، ولذا لو حكم الشارع بذلك بنحو يتنجس
ملاقيه لم يكن الحكم المذكور مستنكرا ، ولا مؤولا بما يخرجه عن ظاهره .
وأما عدم تنجسه بالملاقاة للنجس فإن أريد به عدم تنجس خصوص محل
الاتصال فهو لانصراف أدلة التنجيس عنه ، لا لعدم قابليته للتنجس . وإن أريد به
عدم تنجس تمامه بملاقاة بعض سطوحه للنجس ، فهو لا يرجع إلى عدم قابليته
للتنجس ، بل إلى عدم سراية النجاسة فيه ، نظير عدم اعتصامه بالاتصال بالمادة ،
وهو أجنبي عن محل الكلام . فلاحظ .
وأما الثاني - وهو المأخوذ من نجس أو متنجس - فلا ينبغي الإشكال في
نجاسته مع الخلط والاعتصار ، لليقين ببقاء الحكم معهما أو استصحابه ، كما تقدم
نظيره .