شرح
إذ فيه : أن المشابهة كما تكون مع الكثرة تكون مع القلة ، لأن الجاري عن نبع
قد يكون قليلا أيضا ، مع ظهور عدم صحة الاستعمال ولو مجازا مع القلة بدون
النبع ، فعدم صحة الاستعمال مع القلة وصحته مع الكثرة شاهد بالفرق بينهما ، لا
بمجازية الاستعمال مع الكثرة .
ودعوى : أن إطلاق الجاري على الأنهار المذكورة لتخيل نبعها ، وأن المعيار
هو النبع ، كما ذكره في جامع المقاصد .
ليست بأولى من دعوى : أن ذكر الجريان من حيث ملازمته عرفا لكثرة الماء
بنفسه أو بمادته ، بحيث يكون قاهرا غير محدود عرفا .
وأشكل من ذلك ما ذكره سيدنا المصنف قدس سره من أن الاستعداد للجريان
مقوم لمفهوم الجاري ، وما لا يكون له نبع فاقد لذلك الاستعداد .
إذ فيه : أن ظاهر اسم الفاعل إرادة فعلية الحدث لا بقيد الاستعداد ، وإن كان
قد يستعمل بنحو الملكة ، فيتمحض في الاستعداد ، وهو لو تم اقتضى كفاية النبع
ولو مع عدم فعلية الجريان لمانع - كما تقدم من بعضهم - وقد منع قدس سره منه .
على أن اختصاص الاستعداد بالنبع لا وجه له ، بل قد يكون بالكثرة
المقتضية للتدافع ، وبكثرة المادة غير العاصمة كالثلج . فالانصاف أن منع صدق
الجاري على مياه الأنهار الكبيرة غير المستندة للنبع في غاية الاشكال .
وأما ما ذكره بعض مشايخنا في توجيه العموم من حمل الجاري على ما
يكون له جريان بنحو الدوام أو الغلبة ، لأنه لا ماء إلا وله جريان سابقا أو فعلا ،
فتخصيص بعض أنواعه بوصف الجريان لا بد أن يكون بلحاظ استمرار جريانه أو
غلبته ، ومنه الأنهار المذكورة ونحوها .
ففيه : - مع عدم اشتراك جميع المياه في عروض وصف الجريان ولو سابقا ،
كماء البئر والثمد - أن ظاهر إطلاق الجاري لحاظ فعلية الجريان لا ما يعم سبقه
ليشترك فيه جميع المياه ويتعين حمله على الاستمرار أو الغلبة نظير الملكة .
مع أن لازم ذلك عدم صدق الجاري على ما يكون فعلي الجريان عن نبع