تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح المنهاج ، الطهارة — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
شرح
ولعل منشأ ذلك ما ارتكز في أذهان المتشرعة من أن الجريان بنفسه ليس عاصما للماء ، ولا موضوعية له في الأحكام ، ولذا لا ريب في عدم ترتبها على ما يجري في الأرض بإراقة الإناء ونحوها ، بل اعتصام الجاري إنما هو باعتبار مادته ، فإن استحكام الانصراف المذكور أوجب انصراف الجاري عندهم لما له مادة ، وحيث كان المعهود من ذلك الأنهار ونحوها مما يكون جريانه مستندا للنبع أخذوا النبع فيه ، كما تقدم من جامع المقاصد . لكن الانصاف أن المعهود من الجاري لا يختص بما يكون عن نبع ، بل قد يستند إلى مثل ذوبان الثلوج ، كبعض الأنهار ، كما قد يستند إلى الدوالي والنواعير ونحوها مما يكون وروده متقطعا بنحو التوالي المستلزم للجريان ، فالمناسب لوجه الانصراف جعل المعيار في الجاري مطلق الاعتصام مع الجريان ، سواء استند إلى كثرة الماء - كالأنهار المستندة لذوبان الثلج - أم للمادة التي هي من سنخ النبع أو الرشح ، أو التي هي عبارة عن الماء الراكد المتدافع ، كماء الأنابيب المتعارفة في زماننا . وبالجملة : مقتضى الجمود على لفظ الجاري الاكتفاء بفعلية الجريان ، والارتكاز المتقدم لا يقتضي إلا التقييد بالاعتصام . اللهم إلا أن يقال : لو تم هذا في إطلاق الجاري في عرف المتشرعة فلا مجال له في إطلاقه في النصوص وفتاوى الأصحاب الواردة في مقام بيان اعتصام الجاري ، لامتناع أخذ خصوصية الحكم في موضوعه ، وحيث كان حمله على إطلاقه متعذرا ، للقطع بعدم عاصمية الجريان بنفسه - ولو مع القلة وعدم النبع - كان عنوان الجاري غير خال عن الاجمال ، ولزم الاقتصار فيه على المتيقن المعروف في عصر صدور النصوص ، والظاهر عدم اختصاصه بما يكون عن نبع ، بل يشمل مثل الأنهار الكبيرة المستندة لذوبان الثلوج من الجبال ، لصدق الجاري عليها قطعا . والتزام المجاز فيها لمشابهتها للشطوط النابعة صعب جدا ، وإن أصر عليه شيخنا الأعظم قدس سره مستدلا بعدم اطراده في كل ما يتلبس بالجريان ولو كان قليلا .