شرح
ولعل منشأ ذلك ما ارتكز في أذهان المتشرعة من أن الجريان بنفسه ليس
عاصما للماء ، ولا موضوعية له في الأحكام ، ولذا لا ريب في عدم ترتبها على ما
يجري في الأرض بإراقة الإناء ونحوها ، بل اعتصام الجاري إنما هو باعتبار مادته ،
فإن استحكام الانصراف المذكور أوجب انصراف الجاري عندهم لما له مادة ،
وحيث كان المعهود من ذلك الأنهار ونحوها مما يكون جريانه مستندا للنبع أخذوا
النبع فيه ، كما تقدم من جامع المقاصد .
لكن الانصاف أن المعهود من الجاري لا يختص بما يكون عن نبع ، بل قد
يستند إلى مثل ذوبان الثلوج ، كبعض الأنهار ، كما قد يستند إلى الدوالي والنواعير
ونحوها مما يكون وروده متقطعا بنحو التوالي المستلزم للجريان ، فالمناسب لوجه
الانصراف جعل المعيار في الجاري مطلق الاعتصام مع الجريان ، سواء استند إلى
كثرة الماء - كالأنهار المستندة لذوبان الثلج - أم للمادة التي هي من سنخ النبع أو
الرشح ، أو التي هي عبارة عن الماء الراكد المتدافع ، كماء الأنابيب المتعارفة في
زماننا .
وبالجملة : مقتضى الجمود على لفظ الجاري الاكتفاء بفعلية الجريان ،
والارتكاز المتقدم لا يقتضي إلا التقييد بالاعتصام .
اللهم إلا أن يقال : لو تم هذا في إطلاق الجاري في عرف المتشرعة فلا
مجال له في إطلاقه في النصوص وفتاوى الأصحاب الواردة في مقام بيان اعتصام
الجاري ، لامتناع أخذ خصوصية الحكم في موضوعه ، وحيث كان حمله على
إطلاقه متعذرا ، للقطع بعدم عاصمية الجريان بنفسه - ولو مع القلة وعدم النبع - كان
عنوان الجاري غير خال عن الاجمال ، ولزم الاقتصار فيه على المتيقن المعروف
في عصر صدور النصوص ، والظاهر عدم اختصاصه بما يكون عن نبع ، بل يشمل
مثل الأنهار الكبيرة المستندة لذوبان الثلوج من الجبال ، لصدق الجاري عليها قطعا .
والتزام المجاز فيها لمشابهتها للشطوط النابعة صعب جدا ، وإن أصر عليه
شيخنا الأعظم قدس سره مستدلا بعدم اطراده في كل ما يتلبس بالجريان ولو كان قليلا .