شرح
نعم ، مناسبة الحكم والموضوع المشار إليها في مبحث اعتبار العقل في
المفتي يقتضي اعتبار الشرط المذكور حين صدور الفتوى ، أما من طرأ له بعد
صدور الفتوى ما يخرجه عن العدالة فلا تمنع من تقليده ابتداء ، فضلا عن البقاء على
تقليده .
هذا ، مع أن الخبر ضعيف السند ، ولم يتضح انجباره بعمل الأصحاب ، لعدم
وضوح استنادهم له في الحكم المذكور .
فالعمدة في المقام الاجماع المدعى الذي يبعد الخطأ فيه ، وليس هو
كالاجماع المدعى في الشروط المتقدمة ، لاختلاف هذا الشرط عما قبله بأنه مورد
للابتلاء الكثير من الصدر الأول ، فمن البعيد جدا أن تكون فتوى الفاسق حجة
كروايته إذا كان ثقة ، ومع ذلك يخفى الحكم على الأصحاب ، ويدعى الاجماع على
اعتبار العدالة في الفتوى .
هذا ، مضافا إلى ما تقدم منا في وجه اعتبار الايمان ، فإن مقدمات الاستنباط
وأدلة الأحكام لما لم تكن منضبطة كان تمييز موارد الحجة عن غيرها محتاجا إلى
مرتبة عالية من الورع ، لتدخل العواطف والاعتبارات في ذلك كثيرا ، فقد يجنح
الباحث للحكم ويستوضح الأدلة عليه بسبب ذلك ، وقد يؤتى حظا من القدرة على
الاستدلال واللحن بالحجة فيبرز أشبه بصور الدليل ، ولا حاجز له عن ذلك كالخوف
من الله تعالى والحذر من أليم عذابه ، فإنهما من أقوى الدواعي إلى الاحتياط
للأحكام ، والتدبر في أدلتها وتمحيصها وعدم التسامح والتساهل فيها ، ولا يؤمن
الفاسق على ذلك وإن كان ثقة في نقله ، بل لا بد من العدالة بمرتبة عالية لا ينالها إلا
الأوحدي .
مع أن اكتفاء العوام بالموثوق معرض للأحكام للضياع ، لسهولة حصول
الوثوق للعامي بأدنى استئناس له بالشخص أو بتجربة يسيرة أو مظاهر كاذبة ونحوها
مما لا يكلف القائم بها عناء ولا نصبا ، وهو لا يناسب ما هو المعلوم من احتياط
الشارع الأقدس للأحكام .