شرح
ومجرد اعتبار العدالة في الشهادة وإمامة الجماعة لا يقتضي اعتبارها في
المقام ، لعدم وضوح مناط الحكم فيهما بنحو ينفع في تعميم الحكم لما نحن فيه .
ومثله ما ذكره بعض مشايخنا من دعوى القطع بأن الشارع لا يرضى بأن يكون
زمام أمور الدين بيد الفاسق ، لأن منصب الافتاء منصب رفيع دون منصب الإمامة
على أن طبايع العقلاء قد جبلت على عدم القبول ممن يخالف قوله عمله ، وهو
الوجه في اعتبار العصمة في النبي والإمام .
لاندفاع الأول بعدم ثبوت كون الافتاء من المناصب المبتنية على تولي أمور
الدين وإدارتها ، كما تقدم في تقليد المرأة .
والثاني : بأن عدم قبولهم منه إنما هو بمعنى عدم حصول الثقة لهم بقوله ، أو
عدم تأثرهم به وعدم انصياعهم له ، لأن لتطبيق الانسان تعاليمه على نفسه أعظم الأثر
في قبول الغير منه ، وهو لا ينافي حجية قوله بنظرهم على الحكم الشرعي لو حصل
لهم الوثوق بقوله . كيف وقد اعترف ( دامت بركاته ) بأن مقتضى سيرة العقلاء حجية
فتوى الثقة ، فلاحظ .
نعم ، قد يستدل على اعتبار العدالة في المفتي بآية النبأ ، بناء على ما عرفت في
اعتبار الايمان من أن اختصاصها بالخبر الحسي لا يمنع من الاستدلال بها في الفتوى .
وبالخبر المتقدم هناك أيضا عن تفسير العسكري عليه السلام . لكن عرفت هناك أن الآية لا
تنهض إلا باعتبار الوثوق .
ومثلها في ذلك الخبر المذكور ، كما يشهد به التأمل في صدره وذيله ، لظهوره
في أن اعتبار الشرط المذكور ليس لمحض التعبد ، بل لأجل ملازمته للوثوق
بالشخص وأهليته للاستئمان على الأحكام ، فلا ينافي قبول قول الفاسق الثقة
المأمون .
اللهم إلا أن يستفاد منه كون الشرط المذكور فيه معيارا شرعيا للوثوق
بالشخص ، وأن غيره لا ينبغي الوثوق به واستئمانه على الأحكام الشرعية وإن وثق به
المكلف بحسب ظاهر حاله .