شرح
في المشورة لرجوعها إليه ، لأنها من مظاهره ، فإن المستفاد من كلمات اللغويين
والاستعمالات الكثيرة أن النصح هو الخلوص ، ومنه إطلاق الناصح على العسل
الخالص ، وقولهم : رجل ناصح الجيب ، أي لا غش فيه . وهو الظاهر من قوله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) ( 1 ) .
وموثق السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام : ( ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنسك
الناس نسكا أنصحهم حبا وأسلمهم قلبا لجميع المسلمين ) ( 2 ) . وحينئذ فمن القريب جدا حمل النصوص المتقدمة وغيرها من النصوص
الكثيرة المتضمنة للأمر بالنصيحة والمناصحة على المعنى المذكور ، لا على
خصوص المشورة ، كما هو المناسب لما في صحيح معاوية بن وهب من تعميم
النصيحة للمغيب ، وما في خبر جابر من تشبيهها بنصيحة الانسان لنفسه .
بل هو المتعين في غير واحد من النصوص المتضمنة للأمر بالنصيحة
والمناصحة لمن مشى في حاجة أخيه ، كخبر حفص عن أبي عبد الله عليه السلام ، ( سمعته
يقول : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه فقد خان الله ورسوله ) ( 3 ) ، إذ لا معنى للنصيحة من الساعي في الحاجة إلا الاخلاص في تحصيلها
بسلوك أوصل الطرق وأسلمها .
فلا تدل النصوص المتقدمة حينئذ إلا على وجوب الاخلاص للمؤمن
وصدق موالاته ، الذي له نحو اقتضاء لخدمته ومواساته ، ومنها الإشارة عليه بما
يصلحه ، ولا ينافيه تركها لبعض الأعذار والمحاذير العرفية أو الشرعية ومنها الغيبة .
وثالثا : بأنه لو فرض ظهور الأخبار بدوا في وجوب النصيحة بالمعنى الذي
هو محل الكلام ، إلا أنه لا مجال لابقائها على ظاهرها ، كيف ولازمه وجوب التصدي
للناس والتعرف على مشاكلهم جميعا والتدبر فيها وإجالة الرأي واستبطانه مقدمة
هامش
( 1 ) سورة التحريم : 8 .
( 2 ) الوسائل ، باب 21 ، من أبواب أحكام العشرة ، حديث : 1 .
( 3 ) الوسائل ، باب 36 ، من أبواب فعل المعروف ، حديث : 1 .