شرح
الناس اغتابه ، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته ) ( 1 ) .
وقد يشهد به أيضا رواية داود بن سرحان : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الغيبة .
قال : ( هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل وتثبت عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد ) ( 2 ) .
وفيه : أنه لا ينبغي التأمل في عدم تقوم الغيبة عرفا بكشف السر وهتك الستر ،
لما أشرنا إليه آنفا من تشبيهها بأكل اللحم ومقابلتها بالمدح والتعبير عنها الهمز
واللمز ، فإن ذلك يناسب حملها على الإعابة ، كما تقدم - لا على كشف السر ، وكذا ما
ورد من الأمر بنصر المغتاب - بالفتح - فإنه لا موضوع للنصر مع كشف السر .
مضافا إلى ما ورد في نزول الآية من أن رجلين بعثا سلمان عليه السلام إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله ليأتي لهما بطعام ، فبعثه إلى أسامة بن زيد ، وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وآله على
رحله فقال : ما عندي شئ ، فعاد إليهما ، فقالا : بخل أسامة . وقالا لسلمان : لو بعثناه إلى
بئر سميحة لغار ماؤها ، ثم انطلقا يتجسسان عند أسامة ما أمر لهما به رسول
الله صلى الله عليه وآله فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله : ( ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ) قالا : يا
رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما . قال : ( ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة ) ، فنزلت
الآية ( 3 ) .
وعن عائشة : ( دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي ، أي : قصيرة ،
فقال صلى الله عليه وآله : ( اغتبتيها ) ( 4 ) . فإن جميع ذلك شاهد بعدم تقوم الغيبة بهتك الستر
وكشف السر .
وأما كلام اللغويين المتقدم فهو لم يتضمن أخذ الستر في العيب المقول ،
ليكون شاهدا له ، بل أخذه في الشخص المقول فيه ، ليخرج المتجاهر ، فلا بد أن ينزل
هامش
( 1 ) الوسائل ، ج 8 ، ص 604 ، باب 154 من أبواب أحكام العشرة ، حديث 3 .
( 2 ) الوسائل ، ج 8 ، ص 604 ، باب 154 من أبواب أحكام العشرة ، حديث 1 .
( 3 ) راجع البيان في تفسير آية الغيبة من سورة الحجرات .
( 4 ) عن الدر المنثور ، ج 6 ، ص 94 .