تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح المنهاج ، التقليد — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
شرح
وأما آية الكتمان فهي ظاهرة في وجوب البيان للجاهل مطلقا سواء كان جهله عذرا أم لا ، سواء كان اخبار العالم حجة في حق الجاهل أم لا ، بل كان يعمل عليه غفلة عن عدم حجيته ، أو لكونه مثيرا للاحتمال المقتضي للاحتياط وإن لم يكن لازما . بل مقتضى إطلاقها وجوب البيان حتى مع العلم بعدم ترتب العمل إذا كان يترتب عليه بعض الفوائد المرغوبة للشارع ، مثل عدم ضياع الحق ، أو صيرورته موردا للاحتمال المستدعي للنظر والفحص ، أو إقامة الحجة على من ليس في مقام التمرد ابتداء وإن علم بتسامحه عن الامتثال ، لاستثقاله له بعد العلم . نعم ، لو فرض كونه في مقام التمرد على الحق قبل الاعلام والاعراض عنه ابتداء - حيث لا يزيد البيان في إقامة الحجة عليه ، لقيام الحجة عليه بتمرده - أو كان معتمدا في العمل على طريق آخر ولا يترتب على الاعلام إلا مجرد معرفة رأي المخبر أشكل شمول الاطلاق له ، فإن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي كون تحريم الكتمان بلحاظ ما يترتب على البيان من الفوائد ، لا لكونه مطلوبا تعبدا ، ولا يبعد انصراف جميع أدلة المقام عنه ، كما سيأتي . ثم إن ظاهر سيدنا المصنف قدس سره اختصاص الآية بما إذا كان الجاهل في مقام الاستعلام ومعرفة الواقع وإن لم يتحقق منه السؤال ، لغفلته عنه ، وكأنه لعدم تحقق الكتمان بمجرد عدم البيان ، بل لا بد معه من كون الكاتم في مقام الاخفاء والتستر بما عنده ، وهو إنما يكون مع كون الجاهل في مقام الاستعلام والاهتمام بتحصيل الواقع ، دونما لو لم يكن كذلك . لكن هذا - لو تم - اقتضى عدم وجوب البيان إذا لم يكن العالم في مقام الاخفاء والتستر وطمس اعلام الحق ، بل كان عدم البيان لانشغاله ، أو لاستثقال تفهيم الجاهل أو لنحو ذلك مما لا يرجع إلى الاهتمام بإخفاء الواقع وتضييعه . ولا يظن منه قدس سره الالتزام به . فالانصاف : أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصية الكتمان فإن المنسبق عرفا أن تحريم الكتمان في الآية ليس لملازمته لمعاداة الحق والاهتمام بطمسه والرغبة في ضلال الناس ، بل لملازمته لضياع الحق وانطماسه المنافي للغرض من بعث الرسل وبيان الأحكام في الكتب .
مصباح المنهاج ، التقليد — صفحة 224 | السيد محمد سعيد الحكيم