شرح
وأما آية الكتمان فهي ظاهرة في وجوب البيان للجاهل مطلقا سواء كان جهله
عذرا أم لا ، سواء كان اخبار العالم حجة في حق الجاهل أم لا ، بل كان يعمل عليه غفلة
عن عدم حجيته ، أو لكونه مثيرا للاحتمال المقتضي للاحتياط وإن لم يكن لازما .
بل مقتضى إطلاقها وجوب البيان حتى مع العلم بعدم ترتب العمل إذا كان
يترتب عليه بعض الفوائد المرغوبة للشارع ، مثل عدم ضياع الحق ، أو صيرورته
موردا للاحتمال المستدعي للنظر والفحص ، أو إقامة الحجة على من ليس في مقام
التمرد ابتداء وإن علم بتسامحه عن الامتثال ، لاستثقاله له بعد العلم .
نعم ، لو فرض كونه في مقام التمرد على الحق قبل الاعلام والاعراض عنه
ابتداء - حيث لا يزيد البيان في إقامة الحجة عليه ، لقيام الحجة عليه بتمرده - أو كان
معتمدا في العمل على طريق آخر ولا يترتب على الاعلام إلا مجرد معرفة رأي
المخبر أشكل شمول الاطلاق له ، فإن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي
كون تحريم الكتمان بلحاظ ما يترتب على البيان من الفوائد ، لا لكونه مطلوبا تعبدا ،
ولا يبعد انصراف جميع أدلة المقام عنه ، كما سيأتي .
ثم إن ظاهر سيدنا المصنف قدس سره اختصاص الآية بما إذا كان الجاهل في مقام
الاستعلام ومعرفة الواقع وإن لم يتحقق منه السؤال ، لغفلته عنه ، وكأنه لعدم تحقق
الكتمان بمجرد عدم البيان ، بل لا بد معه من كون الكاتم في مقام الاخفاء والتستر بما
عنده ، وهو إنما يكون مع كون الجاهل في مقام الاستعلام والاهتمام بتحصيل الواقع ،
دونما لو لم يكن كذلك .
لكن هذا - لو تم - اقتضى عدم وجوب البيان إذا لم يكن العالم في مقام الاخفاء
والتستر وطمس اعلام الحق ، بل كان عدم البيان لانشغاله ، أو لاستثقال تفهيم الجاهل
أو لنحو ذلك مما لا يرجع إلى الاهتمام بإخفاء الواقع وتضييعه . ولا يظن
منه قدس سره الالتزام به .
فالانصاف : أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي إلغاء خصوصية الكتمان فإن
المنسبق عرفا أن تحريم الكتمان في الآية ليس لملازمته لمعاداة الحق والاهتمام
بطمسه والرغبة في ضلال الناس ، بل لملازمته لضياع الحق وانطماسه المنافي
للغرض من بعث الرسل وبيان الأحكام في الكتب .