الاستدلال على الضمان
قد ذكر المصنف : أن هذه المسألة - أعني بها مسألة المقبوض بالعقد
الفاسد - من جزئيات القاعدة المعروفة : كل عقد يضمن بصحيحه يضمن
بفاسده وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده . . . فالمهم بيان معنى
القاعدة أصلا وعكسا ، ثم أطال الكلام في ذلك من حيث الشرح
والتفسير ، ومن حيث النقض والابرام ، ومن حيث الاطراد والانعكاس .
ولكن التحقيق أنه لا يهمنا البحث في شئ من هذه النواحي ، ضرورة
أن هذه القاعدة بألفاظها المذكورة لم ترد في آية ولا في رواية ، ولا أنها
جعلت موردا للاجماع لكي يبحث عنها وعن مفردات ألفاظها وعن سعة
دلالتها ، بل هذه القاعدة غير مغروسة بالألفاظ المزبورة في كلمات
القدماء ، وإنما وجدت وحدثت في كلمات المتأخرين .
وإذن فيحسن بنا أن نصرف عنان البحث إلى ما يمكن أن يجعل مدركا
لهذه القاعدة ودليلا على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد ، لكي يتضح من
ذلك ما هو المدرك لقاعدة ضمان اليد أيضا ( 1 ) .
هامش
1 - ثم إنه ليس المراد من العقد في القاعدة أصلا وعكسا ما يكون بنوعه موجبا للضمان أو
لا يكون موجبا له كذلك ، نظير العارية فإنها لا توجب بنوعه الضمان ، وإنما ثبت الضمان في
صنف منه ، وهو عارية الذهب والفضة أو المشروط فيها الضمان وعليه يدخل عارية الذهب
والفضة فيما لا يضمن ، كما أنه ليس المراد به ما يوجب الضمان بصنفه وعليه تدخل عارية
الذهب والفضة فيما يضمن ، بل المراد ما يضمن بشخصه وما لا يضمن بشخصه ، فإن القاعدة
من قبيل القضايا الحقيقية ، فالمعنى أن كل عقد يضمن بصحيحه إذا فرض تحققه في الخارج
صحيحا يضمن بفاسده إذا تحقق فاسدا وهكذا العكس ، ولا يعتبر فيه تحقق صنف صحيح من
العقد وصنف فاسد منه .
والسر في ذلك أنه لم يرد في هذه القاعدة دليل لفظي ليحمل على النوع أو على الصنف ،
وإنما هي على طبق السيرة ، وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : على اليد ما أخذت ، على فرض اعتباره ، فما ينطبق
عليهما إنما هو ما ذكرناه دون غيره .
وعلى ما ذكرناه لا يعتبر أن يكون الضمان وعدمه من مقتضيات نفس العقد في طبعه بل
القاعدة جارية ولو كان الضمان أو عدمه في العقد لخصوصية فيه ، فالبيع بلا ثمن والإجارة
بلا أجرة لا ضمان فيهما .
ثم إن الباء في القاعدة يحتمل أن تكون للظرفية ويحتمل أن تكون للسببية وذلك من جهة
أن سبب الضمان في العقد الصحيح أو الفاسد وإن كان هو القبض إلا أنه إنما يوجب الضمان إذا
كان بعنوان الوفاء بالعقد وإلا فالقبض في نفسه مع قطع النظر عن كونه مترتبا على العقد
المعاوضي لا يوجب الضمان قطعا ، وأما كونه للسببية التام ، فغير محتمل لعدم كون العقد علة
تامة للضمان ، لا تكوينا ولا تشريعا ، فإن كل مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بايعه ، كما أن ما
ذكره المصنف ( رحمه الله ) في سببية العقد الفاسد من أنه منشأ للقبض الذي هو سبب للضمان ، لا يمكن
المساعدة عليه فإن الضمان حينئذ لا يستند إلى العقد - المحاضرات 2 : 147 .