أقول : حاصل كلامه أن السيرة قائمة على عدم الاكتفاء بالتعاطي في
الأشياء الخطيرة والأمتعة المهمة ، بل الناس ينشؤون فيها البيع بالألفاظ
المتداولة بينهم ، نعم يكتفون بالتعاطي في الأشياء الزهيدة ، والأمتعة
المحقرة ، ولا يلتزمون فيها بعدم جواز الرجوع .
ويرد عليه أن السيرة المزبورة لا تصلح لتقييد الأدلة المتقدمة الدالة
على لزوم المعاطاة ، بديهة أن عدم اكتفاء الناس بالتعاطي في المعاملات
المهمة ليس من ناحية السيرة ، بل إنما هو من جهة تقليدهم لعلمائهم
القائلين بكون المعاطاة مفيدة للإباحة .
وأضف إلى ذلك أن الالتزام بهذه السيرة يقتضي الفرق بين المعاطاة
في الأشياء الخطيرة وبين المعاطاة في الأشياء الحقيرة ، ومن الواضح أنه
لم يلتزم به المشهور من الأصحاب وإن ذهب إليه بعض العامة ( 1 ) ، ولكنه
مخالف لاطلاق الأدلة الدالة على لزوم المعاطاة ( 2 ) .
هامش
1 - عن الشافعية أنه لا ينعقد البيع بالمعاطاة ، نعم مال صاحب الاحياء إلى جواز البيع بها
في الأشياء اليسيرة ، لأن الايجاب والقبول يشق في مثلها عادة - الفقه على المذاهب الأربعة 2 :
155 .
2 - قوله ( رحمه الله ) : من اعتبر مطلق اللفظ .
الظاهر وقوع الاشتباه في بيان كلام المسالك ، فإن الاكتفاء بمطلق اللفظ في اللزوم أو اعتبار
لفظ مخصوص فيه أجنبي عما نحن فيه ، وعما حكاه المصنف عن المسالك ، وإنما هي مسألة
أخرى سنتعرض لها في محلها ، ولا بأس بنقل نص عبارة المسالك ، فإنه قال عند شرح قول
المحقق : سواء كان في الحقير أو الخطير ، ما نصه :
رد على بعض العامة ، حيث اكتفى بالمعاطاة في المحقرات وأقامها فيه مقام البيع ،
واختلفوا في تحديدها ، فقال بعضهم : ما لم يبلغ نصاب السرقة ، وأحالها آخرون على العرف
كرطل الخبز وغيره مما يعتاد فيه المعاطاة ، وهو تحكم ، والذي اختاره متأخروا الشافعية
وجميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي وعده الناس بيعا ، وهو قريب من قول
المفيد وشيخنا المتقدم ، وما أحسنه وأمتنه دليله ، إن لم ينعقد الاجماع على خلافه ، انتهى .
قوله ( رحمه الله ) : كان متعارفا .
من الواضح أن تعارف البيع اللفظي لا يضر ما نحن بصدده من إفادة المعاطاة الملك اللازم -
المحاضرات 2 : 69 .