شرح
اعلم أن الرجوع في الوصية ونحوها من العقود الجائزة قد يكون بالقول ، وقد
يكون بالفعل . والقول إما صريحا ، أو استلزاما ، أو باعتبار إشعاره بإرادة الرجوع .
فهذه أقسام أربعة أشار المصنف إلى جملتها :
فالأول : القول الصريح ، كقوله : رجعت في الوصية الفلانية ، أو نقضتها ،
أو فسختها ، أو لا تعطوه ما أوصيت له به . وفي معناه قوله : هو - أي الموصى به -
لوارثي أو ميراثي ، أو ميراث ، لا : من تركتي ، على الأقوى ، لأن الموصى به من
جملة التركة .
والثاني : مثل بيع العين الموصى بها ، لأنه يستلزم نقل الملك إلى المشتري
فيمتنع معه بقاء الوصية ، وعتق المملوك وكتابته لاقتضائهما قطع السلطنة التي من
جملتها الوصية ، والهبة مع الاقباض ، لانتقال الملك به ، أما بدون الاقباض فهي من
القسم .
الثالث : وهو فعل ما يدل على إرادة الرجوع وإن لم يكن صريحا . ويتحقق
بفعل مقدمات الأمور التي لو تحققت لناقضت الوصية ، كالعرض على البيع مريدا
له ، فإنه قرينة دالة على إرادة الرجوع عن الوصية . ومثله العرض على الهبة فضلا عن
الشروع فيها قبل اكمال ما يوجب لزومها . وفي معناه العرض على العقد الموجب لنقل
الملك أو المنع من التصرف ، كالقرض والصلح والرهن . ولو دلت القرينة في هذه
المواضع على عدم إرادة الرجوع بذلك بل كان الغرض أمرا آخر ، عول عليها ،
لضعف هذا القسم حيث مناطه القرينة . ويشكل الحال لو أشكل الغرض .
ولعل ترجيح الرجوع أولى عملا بظاهر حال العاقل .
وقول المصنف : " أو وهبه وأقبضه " قد يوهم أنه مع عدم الاقباض لا يكون
رجوعا ، وهو محتمل نظرا إلى بقائه على ملكه ، إلا أن الظاهر خلافه وأن تقييده بقبضه
يصيره من أمثلة القسم الثاني . وقد نبه في القسم الثالث على مثال واحد ، وهو
الوصية ببيعه ، فإن الوصية كما عرفت عن قريب يجوز نقضها ، فكانت في معنى