شرح
الاختصاص بما يحوزه ، وهو عليه أشد حرصا من كثير من العقلاء ، ولا شك في
حصول الملك لهذا النوع . ومنهم من لا قصد له ، وهذا لا يصلح لتملك المباح
بمجرد الحيازة .
وبالجملة : فالحكم في ذلك إن بني على الحكم في نفس الأمر ، فمتى لم يحصل
القصد إلى الاختصاص بالمباح فالأصل يقتضي عدم الملك واستصحاب حكم
المباح . هذا بالنظر إلى المحيز نفسه ، وأما بالنظر إلى غيره فإذا رأى تحت يده شيئا
من ذلك يحكم له به ظاهرا ، ولا يجوز له تناوله بغير إذنه ، لأن اليد جعلها الشارع
دليلا ظاهرا على الملك .
ومن هذا الباب ما تجده في الجبال من الحطب والخشب ونحوهما من المباحات
التي قد حصل عليها أثر اليد ، فإنه يحكم بها لهم عملا بظاهر اليد ، ولا يلتفت فيه
إلى أصالة عدم النية ، لأن اليد شرعا حجة شرعية أقوى من هذه الأصالة وغيرها .
وإذا رأينا أشياء تشهد القرائن الحالية على أن محيزها لم ينو التملك ، كالمقطوع
لغرض من الأغراض كإصلاح طريق وإطعام دابة ، وترك لعدم تعلق الغرض
بالباقي ، فالأصل فيه البقاء على الإباحة ، مع احتمال المنع هنا عملا بظاهر اليد ،
وإن كان الفاعل فيما بينه وبين الله تعالى لم يحصل له الملك . وتظهر الفائدة فيما لو
رأى الفاعل أحدا قد حازه بعد ذلك ، ففي ظاهر الشرع يقدم قوله عملا بظاهر اليد ،
وفيما بينه وبين الله تعالى لا يجوز له أخذه منه ، لعدم حصول ما يقتضي الملك .
واعلم أن المسألة موضع تردد لكثير من أكابر الفقهاء ، كالمصنف على ما
رأيت ، والشيخ ( 1 ) - رحمه الله - والعلامة ( 2 ) في كثير من كتبه ، وجماعة آخرين ( 3 ) . وجملة
هامش
( 1 ) كلام الشيخ مختلف في هذه المسألة ففي المبسوط 2 : 346 اختار أنه للحائز وإن نوى تملك
الآمر وفيه أيضا ص 358 ما يظهر منه خلاف ذلك ولم نجد موضعا تردد فيه . ولعل منشأ النسبة
عبارة العلامة في المختلف : 480 حيث عقب عبارة الشيخ بقوله : وعندي فيه تردد ، مما يوهم
كونه من عبارة الشيخ قدس سره .
( 2 ) قواعد الأحكام 1 : 244 ، المختلف : 480 .
( 3 ) ربما يظهر ذلك من الجامع للشرائع : 313 .