تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأفهام — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
شرح
وأنكر ابن إدريس الاجبار هنا محتجا بأن الزيارة مندوبة ، ولا شئ من المندوب يجبر على فعله ( 1 ) . وكلية الكبرى ممنوعة ، فإن المندوب إذا آذن بالاستهانة يجبر على فعله . وقد اتفقوا على اجبار أهل البلد على الأذان ، بل على قتالهم إذا أطبقوا على تركه . نعم يبقى في استدلال الجماعة بحث ، من حيث إن ترك زيارته إذا كان يتضمن الجفاء يقتضي التحريم ، فيجب الزيارة من حيث إنها دافعة للجفاء ، فيتحقق الاجبار على تركها بغير اشكال ، إلا أن ذلك يستلزم القول بوجوبها ، وهم لا يقولون به . فاللازم حينئذ أحد الأمرين : إما القول بوجوبها ، أو ترك التعليل بالجفاء . وأيضا فالعمل بظاهر الحديث يقتضي إجبار كل حاج ترك زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن " من " من صيغ العموم ، فيشمل كل فرد فرد من أفراد الحاج ، ومدعاهم هو إجبار الجميع لو تركوها ، لا إجبار مطلق التارك مع قيام غيره بها وعلى تقدير خروج بعض الأفراد بدليل خارجي - كمن تعذر عليه زيارته - يبقى العام حجة على الباقي . وبهذا يندفع ما ذكره بعضهم من أن قوله : " من حج " ليس كليا ، بل هو مهملة في قوة الجزئية ، فلا يصدق " كل من ترك زيارته فقد جفاه " ، فإن خروج بعض الأفراد لعارض لا يمنع الكلية ، كغيرها من صيغ العموم الواردة في الأحكام الشرعية ، فإنه - كما اشتهر - ما من عام إلا وقد خص إلا ما استثني ، ومع ذلك لا يمنع عمومه ودلالته على حكم الباقي . والأولى في الجواب ما تقدم من استلزام ترك الجميع زيارته - صلى الله عليه وآله وسلم - التهاون بأعظم السنن وأجلها ، فيجبرون عليها إلى أن يقوموا بما يدفع ذلك . والجبر - وإن كان عقابا - لا يدل على الوجوب ، لأنه دنيوي ، وإنما يستحق بترك الواجب العقاب الأخروي على وجه .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 647 .