شرح
وأنكر ابن إدريس الاجبار هنا محتجا بأن الزيارة مندوبة ، ولا شئ من المندوب
يجبر على فعله ( 1 ) . وكلية الكبرى ممنوعة ، فإن المندوب إذا آذن بالاستهانة يجبر على
فعله . وقد اتفقوا على اجبار أهل البلد على الأذان ، بل على قتالهم إذا أطبقوا على
تركه .
نعم يبقى في استدلال الجماعة بحث ، من حيث إن ترك زيارته إذا كان
يتضمن الجفاء يقتضي التحريم ، فيجب الزيارة من حيث إنها دافعة للجفاء ،
فيتحقق الاجبار على تركها بغير اشكال ، إلا أن ذلك يستلزم القول بوجوبها ، وهم لا
يقولون به . فاللازم حينئذ أحد الأمرين : إما القول بوجوبها ، أو ترك التعليل بالجفاء .
وأيضا فالعمل بظاهر الحديث يقتضي إجبار كل حاج ترك زيارة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، لأن " من " من صيغ العموم ، فيشمل كل فرد فرد من أفراد
الحاج ، ومدعاهم هو إجبار الجميع لو تركوها ، لا إجبار مطلق التارك مع قيام غيره
بها وعلى تقدير خروج بعض الأفراد بدليل خارجي - كمن تعذر عليه زيارته - يبقى
العام حجة على الباقي .
وبهذا يندفع ما ذكره بعضهم من أن قوله : " من حج " ليس كليا ، بل هو مهملة
في قوة الجزئية ، فلا يصدق " كل من ترك زيارته فقد جفاه " ، فإن خروج بعض الأفراد
لعارض لا يمنع الكلية ، كغيرها من صيغ العموم الواردة في الأحكام الشرعية ، فإنه
- كما اشتهر - ما من عام إلا وقد خص إلا ما استثني ، ومع ذلك لا يمنع عمومه
ودلالته على حكم الباقي .
والأولى في الجواب ما تقدم من استلزام ترك الجميع زيارته - صلى الله عليه وآله
وسلم - التهاون بأعظم السنن وأجلها ، فيجبرون عليها إلى أن يقوموا بما يدفع ذلك .
والجبر - وإن كان عقابا - لا يدل على الوجوب ، لأنه دنيوي ، وإنما يستحق بترك
الواجب العقاب الأخروي على وجه .
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 647 .