شرح
الأخرى . ولا يمكن العمل بهما ، لاستلزامه وجوب قتل الشخصين معاً ، وهو
باطل إجماعاً ، ولا العمل بإحداهما دون الأخرى ، لعدم الأولويّة ، فلم يبق إلا
سقوطهما معاً بالنسبة إلى القود ، لأنه تهجّم على الدماء المحقونة في نظر الشرع
بغير سبب معلوم ولا مظنون ، إذ كلّ واحدة من الشهادتين تكذّب الأخرى ، ولأن
القتل حدّ يسقط بالشبهة .
وأما الثاني ، وهو ثبوت الدية عليهما ، فلئلاّ يطلّ ( 1 ) دم امرء مسلم ، وقد
ثبت أن قاتله أحدهما وجهل عينه ، فيجب عليهما ، لانتفاء المرجّح .
والوجه الآخر الذي ذكره المصنف - رحمه الله - مذهب ابن إدريس ( 2 ) ،
محتجّاً بقوله تعالى : ( فقد جعلنا لوليّه سلطاناً ) ( 3 ) ، ونفي القتل عنهما ينافي إثبات
السلطان . وبأن البيّنة ناهضة على كلّ منهما بوجوب القود ، فلا وجه
لسقوطه . وبأنّا قد أجمعنا على أنه لو شهد اثنان على واحد بأنه القاتل ، فأقرّ آخر
بالقتل ، يتخيّر الوليّ في التصديق والإقرار ، كالبيّنة في حقّ الآدمي .
وأجيب بأن الآية تدلّ على إثبات السلطان للوليّ مع علم القاتل لا مطلقاً ،
وهو منتف هنا . والبيّنة إنما تنهض مع عدم المعارض ، وهو موجود . والإجماع
على المسألة المبنيّ عليها ممنوع ، مع وجود الفرق بين الإقرار والبيّنة في كثير من
الموارد ، ومنه اشتراط تعدّد الشاهد دون الإقرار .
وفي هذا الأخير نظر ، لأن الكلام في مساواة الاقرار الذي يثبت به الحقّ
للبيّنة التي يثبت بها ، وهي الشاهدان هنا ، لا في مساواته للشاهد . نعم ، إلحاق
هامش
( 1 ) في « خ ، م » : يبطل . والطلّ : هدر الدم . لسان العرب 11 : 405 .
( 2 ) السرائر 3 : 341 - 342 .
( 3 ) الإسراء : 33 .