وبالجملة : فإن الأعمى تصح شهادته ، متحملا ومؤديا ، عن علمه
وعن الاستفاضة فيما يشهد به بالاستفاضة .
شرح
هذا هو القسم الثالث ، وهو ما يفتقر في الشهادة به إلى السمع والبصر معا ،
وهو الأقوال ، فلا بد من سماعها ومن مشاهدة قائلها ، وذلك كالنكاح والطلاق
والبيع وجميع العقود والفسوخ والاقرار بها ، فلا تقبل فيها شهادة الأصم الذي لا
يسمع شيئا .
وأما الأعمى ففي جواز شهادته اعتمادا على ما يعرفه من الصوت وجهان :
أحدهما : المنع ، لأن الأصوات تتشابه ، ويتطرق إليها التخييل ( 1 ) والتلبيس .
والثاني - وهو الأشهر - : القبول ، لأن الفرض علمه القطعي بالقائل ومعرفته
إياه ، ووقوع ذلك أكثري مشاهد في كثير من العميان ، يعلمون القائل بأدنى صوت
يظهر منه ، ويميزون بينه وبين غيره ممن يشبه صوته صوته ، بل ربما يترقون ( 2 )
إلى المعرفة بدون ذلك . وللاجماع على أن للأعمى أن يطأ حليلته اعتمادا على ما
يعرفه من صوتها .
وفرق المانع من شهادته بأن الشهادة مبنية على العلم ما أمكن ، كما
تقدم ( 3 ) ، والوطء يجوز بالظن . وأيضا فالضرورة تدعو إلى تجويز الوطء ، ولا
تدعو إلى الشهادة ، فإن في البصراء غنية عنه . وفي هذين الجوابين تكلف .
وللعامة في ذلك اختلاف ، فمالك ( 4 ) وأحمد ( 5 ) على قبول شهادته كما هو
هامش
( 1 ) في ( م ) : التحييل ، وفي ( ت ) : التحيل .
( 2 ) في الحجريتين : يطرقون .
( 3 ) في ص : 226 .
( 4 ) الكافي للقرطبي 2 : 898 .
( 5 ) المغني لابن قدامة 12 : 62 ، الانصاف 12 : 61 .