تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
تباشرت أنفسهم بهجة وحبورا ، وتنادت أصواتهم هتافا وسرورا ، لمّا رأوا في مولدك ذلك العبقري ، وما شاهدوه من أنوار فناره الذي لا تخبو أضواؤه ، ومجده الذي لا تمّحي عن الوجود آثاره . هذا فإذا بتلك الروح المجنّحة بالخير والإنسانيّة ترفرف على سفينهم التائه ، حاملة طيب ذلك الندّ الموشّى بعطر المحبّة ، وإذا السعادة تطرّز مسالكهم بأزاهير الرياض التي عطرها حنان حبّه ، ولوّنها دم قلبه . وإذا الصوت الرخيّ المنساب من أعماق الفضيلة والتقوى ، يرسل نغمات تهجّده في أستار الظلمة من جنبات المعابد ، فيصل إلى نفوس الذين تاهوا وضلّوا ونسوا عالم الكينونة الحيّ ، فشملهم الاطمئنان ، وعمّهم الهناء ، ووصلهم الغوث . هذا هو يوم إن مرّت حقبة من الدهر على صور ، وهي المدينة الساحليّة ، التي نامت في الماضي على سرير الزمن قرونا وأعواما ، دون أن يوقظها أحد من سباتها الطويل . دخلها المقدوني الكبير غازيا وفاتحا ، وحاورها الجزّار سافكا وقاتلا ، حتّى انطلق من عقال ظلمتها مصباح السناء ، وتوارى من ساحات دورها العناء ، وتداعت أعمدة الجهل من جوانب أرباضها ، وولّت أوهام الشكّ من صدور أبنائها ، وأصبحت محجّة لقاصدي خيرها ، ونبراسا لمن أراد الاستنارة بهديها وشرعتها ، وإذا التأريخ ينفض عنها غبار الإهمال وأتربة النسيان ، ويبعث فيها روحا سويّا ، وعقلا كاملا ، وبعثا جديدا . معابد يذكر فيها اسم من دلّت الطبيعة على وجوده وعظمته ، ومدارس بنيت للقدرة على علمه وفهمه ، ومجالس أشادت نواديها بحكمته وفلسفته . فإذا رحيق العلم يعصر من دماء النفوس ، وحشاشة الأرواح ، منسكبا من منابع البصيرة على لهاث الأقلام مقبّلا شفاه الطروس وخدود الأسفار . وترى الجوهر المكنون منتثرا على زرابي البهاء والجلال والحكمة والأمثال ، تلتقطه كلّ نفس واعية ، ويحويه كلّ صدر عامر بالإيمان ، ويضمّه كلّ فؤاد مشبع
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 75 | السيد عبد الحسين شرف الدين / مركز العلوم والثقافة الإسلامية