وبعد هذا الحادث اتّسعت شقّة الخلاف بين السيّد والقوّة الغاشمة ممّا أدّى إلى تجريد حملة عسكريّة عارمة ، زحفت إلى بلدة « شحور » حيث كان يزورها وطوّقت البلدة تمهيدا لاعتقاله ، ولكنّه فطن للأمر والفجر يبزغ ، فخرج من بيته واخترق الحصار بأعجوبة ، ولعلّ من مرّ بهم من الجند كانوا من « المغرب العربي » فأفسحوا له المجال بدليل أنّهم أطلقوا النار من حوله وهو في متناولهم مختف تحت عباءة وضعها على رأسه الشريف فجلّلته من الفرع إلى القدم ، واستمرّ في مسيرته نزولا إلى وادي الليطاني .
وأصدر المحتلّون بعد ذلك حكمهم بإعدامه والقبض عليه حيّا أو ميّتا ؛ للحيلولة بينه وبين ذهابه إلى دمشق ، ولكنّه وصلها في ثلّة من أهله وأنصاره .
وحينما يئست قوّات الاستعمار الفرنسيّة من القبض عليه سلّطت نار حقدها على داريه فأحرقت بيته في شحور ، ثمّ احتلّت داره في صور ، جاعلة منها ثكنة عسكريّة ، بعد أن أباحتها للأيدي الأثيمة ، وقد صيح في حجراته نهبا كما قال في مقدّمة كتابه المراجعات « 1 » إلى ما هنالك من محن ، كالسيل الآتي من كلّ جانب ، وأقسى هذه المحن إحراق ونهب مكتبته النفيسة ، بما فيها مؤلّفاته المخطوطة التي ترك فقدانهاوإتلافها وسلبها في نفسه جرحا لم يلتئم طيلة حياته .
وفي دمشق أحيط بالإكبار والإجلال من قبل زعماء القضيّة العربيّة ، وكان السيّد في هذه الفترة بينهم زعيما من زعماء الفكر ، وقائدا من قادة الرأي ، يرجع إليه فيها الساسة والمخلصون في دمشق لأخذ رأيه في ما يجب اتّخاذه ، وكانت سوريّا آنذاك على أبواب مرحلة حاسمه من تأريخها المجيد ، فكانت هناك مداولات ملكيّة ، واجتماعات سياسيّة ، وحفلات وطنيّة ، وكان لسيّدنا في جميعها مواقف مذكورة سجّلها له التأريخ الوطني العربي بكثير من الفخر والإعجاب .
وحين اصطدم العرب السوريّون بجيش الاحتلال في الموقعة المشهورة
هامش
( 1 ) - . راجع الموسوعة ج 1 ، المراجعات : 7 ، مقدّمة المصنّف .