وعودة إلى سنة 1948 - حيث نكبة فلسطين - لنرى السيّد جعفر مع مائتين وخمسين شابّا من معلّمي الجعفريّة وطلّابها ، يستقبلون الإخوة الفلسطينيّين في ميناء صور ، ويحملون أمتعتهم على ظهورهم ، وكان هو أوّل من حمل ، ثمّ نراه وقد جنّد البيوت الخالية ، والمرافق العامّة ، والمدارس والنوادي ، لإيواء آلاف الإخوة المغلوبين على أمرهم ، المتآمر عليهم وعلى قضيّتهم ، ونراه وقد وزّع المائتين وخمسين شابّا على بيوت صور المضيافة ، لتهيئة الطعام للإخوة القادمين على مدى عشرة أيّام ، حيث استقرّبهم المقام .
وهكذا يعيش أبو محمّد أفكاره في المدينة في القرية ، كما في مجلس النوّاب ، كما في الشارع ، كما في المحافل الدبلوماسيّة ، كما في الحلقات الشعبيّة .
إنّه هو هو ، لا يتغيّر ولا يتبدّل .
إنّه الإنسان بكلّ ما للإنسانيّة من معانيها ، الصادق بكلّ ما في الصدق من حلاوة ومرارة ، ومن اطمئنان وحرج .
وخلاصة السيّد جعفر إنّه إنسان ، إنّه الخير المحض .
وكالشمس - هو - لا يهمّها أين يقع منها الضياء .
أو كالنهر لا يفرّق بين الحقول والصخور ، ولا حساب لمسيرته في ليل أو نهار .
وأبو محمّد هذا هو الطبع ، وما بالطبع ثابت .
إنّه الواحد قلبا ولسانا وعملا .
إنّه الواحد عقيدة وسياسة واجتماعا وأدبا .
إنّه الانسجام خطّا ولونا ومشهدا في لوحة الحياة .
والترجمة له غنيّة بالحقّ ، سخيّة كالفضيلة تذهب في العمق مدى ، وفي الارتفاع سماء .
وها أنت - أبا محمّد - بلغت الخمسينات عمرا ، وما بين الولادة ويومك سماء سحاب من غيثك ، وجبل شموخ من جبهتك ، ونور وحي من قلبك ، فلا عدمتك الحياة . انتهى .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 180
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص١٨٠