وقد أنشأ في تلك الفترة جبهة وطنيّة تتمثّل فيها مختلف القطاعات المهنيّة ، والعمّاليّة والاجتماعيّة والتجاريّة ، وقد لعبت هذه الجبهة دورها المنتظر في ميدان التوعية الشعبيّة ، والقيادة الوطنيّة ، بما فيها محاربة الانحراف في السياسة الداخليّة ، والتصدّي للمشاريع الاستعماريّة المشبوهة ، التي هبّت على الشرق طوال عهد الخمسينات .
في مجلس النوّاب
سعت إليه النيابة لدورات ثلاث على مدى اثنتي عشرة سنة ، من سنة 1960 حتّى سنة 1972 ، وكان انتخابه في كلّ دورة على مستوى المبايعة الشعبيّة ، بحيث استشعر السياسيّون المحترفون والتقليديّون خطر هذه الظاهرة الداهم .
ودخل ندوة البرلمان فاتحا ، لكنّه لم يكن أشرا ولا بطرا ، واستمرّت به خلقيته وممارسته وتطلّعاته الوطنيّة ، مع الشعب وإلى الشعب ، ولم تكن النيابة لديه مغنما سياسيّا ، ولا شرفا أدبيّا ، وإنّما كانت غرما مرهقا ، وسبيلا إلى معاناة في يمّ السياسة الخضم .
يقال : إنّ السياسة فنّ أجلّ ، وكلّ ظاهرة تحتاج لفنّ حتّى العلوم الصرفة ، لكن الفنّ السياسي ليس تمويها ، ولا بهلوانيّة ، إنّما هو فنّ الالتزام ولا تأويل ، وفنّ لعبة الحقّ لا اللعب به أو عليه ، فنّ دولة الحقّ التي تهزم دولة الباطل .
لم يكن السيّد جعفر إذن في النيابة من الممارسة المتعارف عليها في شيء ، ولا كانت عنده من الألعاب اللولبيّة في شكل ؛ لأنّه لم يكن من الذين يختانون أنفسهم ، أو من المفرّطين بالأمانة التي طوّق الشعب بها عنقه ، وكانت اللعبة البرلمانيّة عنده هي لعبة العقيدة السياسيّة التي تستوي فيها الوسيلة والغاية ، وكانت له طروحاته ولا تقليد ، وكانت له نشاطاته ولا افتعال ، ولم يعرف المناورة الكاذبة ، ولا كان مع السراب الفارغ ، إنّما كان الواقعيّة التي تحمل هموم الناس وآمالهم بأمانة ورصانة .