وقد كتب رحمه الله بعد رجوعه من مصر إلى لبنان كتاب عشرة أيّام في القاهرة ، عبّر فيه عن أفكاره وأحاسيسه وانطباعاته عن تلك السفرة التي دلّت على عمق تفكيره وأدبه الجمّ .
وقد كان رحمه الله يمتاز بالشعر المنثور ، وله من هذا القسم قطع نثريّة فيها بلاغة الناثر ، وتصويرالشاعر ، ولا أعرف اليوم في كتّاب العصر من يجاريه في هذا الشعر المنثور الساحر ، وكان هو رحمه الله والمرحوم الزيّات « 1 » - صاحب الرسالة - كفرسي رهان يسيران في هذه الحلبة ، وقد مات الفارسان فخلا بعدهما الميدان .
واسجّل للتأريخ حادثة وقعت أماميتعرف منها براعته في هذا المضمار .
لقد أقمنا في دارنا بالكاظميّة حفلة بمناسبة ميلاد إمام العصر ، محمّد بن الحسن المهديّ عليه السلام ، وكانت تقتصر على شعر الشعراء الذي أعدّوه للإلقاء ، ولكن سيّدنا المرحوم السيّد الصدر - وكان ينوّر الدار ويتصدّر الاحتفال - قد اقترح على السيّد صدرالدين أن يحرّر كلمة في ميلاده عليه السلام يلقيها على الحاضرين ، فامتثل رحمه الله وحرّر في تلك اللحظات كلمته « نور » ، فكانت من أبلغ الكلمات ، وكان كلّ حرف منها يشعّ ويثقل في الميزان على ما قاله الشعراء في تلك الحفلة .
وكان السيّد الصدر رحمه الله يعيد كلّ مقطع من مقاطع ذلك الشعر المنثور ، مكبرا تلك الإشعاعات التي كانت تتنزّل من ذلك « النور » . وله مقطع آخر من هذا الشعر المنثور الذي يأخذ باللبّ والشعور ، نشرته له مجلّته الألواح ، أفرغ المقطع قلمه المتين في وصف بلبل حزين فقد أفراخه بعد تخريب وكرهم ، والعبث بعشّهم ، وقد شاء بلبل الشعراء أمين نخلة « 2 » أن يحتفظ بهذا المقطع بإطار ، مثبتا إيّاه في صدر الدار .
هامش
( 1 ) - . هو أحمد حسن الزيّات ، أديب من كبار الكتّاب ، خصب الإنتاج ، جمع بين الثقافتين العربيّة والغربيّة ، فكان متين السبك ، رائع الأداء ، واسع الآفاق ، ولد سنة 1302 ، عيّن عضوا في المجلس الأعلى للآداب والفنون ، توفّي سنة 1388 . انتهى ملخّصا عن الأعلام ج 1 ص 113 أو غيره .
( 2 ) - . شاعر ملهم ، ومجدّد مبتكر ، يمتاز أسلوبه بالطراوة . وبجملته السهلة الموسيقيّة التي تلعب فيها الألفاظ دور الأوتار وأكثر ، ولد سنة 1319 ، وتوفّي سنة 1396 . انتهى ملخّصا عن الجديد في الأدب العربي وغيره .