فالعادة أنّ الشخص كلّما طعن في السنّ وسارت به قدماه إلى خريف العمر يضعف منه الأسلوب ، فالزمن بظروفه ، والعمر في خريفه ، والشيخوخة في وهنها الناهك ، كلّ هذه أسباب تدعو لهذا الضعف ، وعلى الأقلّ فللضعف النسبي إذا قيس إلى أسلوب الشخص في ريعان الصبا ، ونضارة الشباب ، ولكنّه على العكس إذا نظرنا إلى أسلوب الفقيد الكبير فنرى له مواضيع خطتها يراعته ، وبعد أن رسم الزمان تجاعيده على نضارة وجهه ويديه ، وفي شيخوخته الناهكة الواهية فنعجب بها ليس من حيث الموضوع وحده والفكرة التي تعالج ، بل ومن حيث الأسلوب الذي يقف في صفّ من يحتفل بالأسلوب كلّ الاحتفال ، ولا تكاد تظنّ أنّ أسلوبا كهذا خطّه يراع شيخ شارفت دورات عمره إلى التسعين بما فيها من أثقال ومشاقّ .
وإنّ هذا ليس سوى دليل إيمانه بالتطوّر والتقدّم والرقي ، ومسايرة الزمن في تقدّمه ومتطلّباته ، وليس يحول بينه وبين ذلك شيخوخة واهنة ، ولا جسم رازح تحت وطأة الآلام ، جسميّة كانت أو نفسيّة ، فهو ذو هدف ، وهو ذو رسالة ، فما على جسمه أن يخور
أو يرزح ، وما على جسمه أن يتلاشى أو يضمحلّ ، وهذا ما لا سبيل إلى وقفه ، إذا ما أتمّ رسالته ، وإذا ما خدم غايته ، وإذا ما دافع عن هدفه ، وإذا ما قام بواجبه ، وإذا ما دعا إلى سبيله .
قصيدة محمّد حسين المحتصر « 1 » :
أيكون ذكرك أن يقام عزاء * وعظيم مجدك أن يقال رثاء
أن ينظم الشعراء ما اعتادوه في * هذا المجال لأنّهم شعراء
أو يكتب الأدباء حيث جهودهم * في كيف يظهر حسنه الإنشاء
هامش
( 1 ) - . أديب فاضل ، وشاعر مبدع ، ولد في النجف عام 1342 ، وهو ذكّي الفؤاد ، يقظ النفس ، نشر في مختلف الصحف المقالات القيّمة ، والقصائد الخالدة ، ولمع في النجف كأديب له وزنه وقيمته . انتهى عن شعراء الغري ج 8 ص 287 .