ثم إن الخلاف في أصل المسألة لم يظهر الا من الفاضل القطيفي المعاصر للمحقق الثاني ،
حيث حكي عنه أنه قال في إيضاح النافع : إن القدرة على التسليم من مصالح المشتري فقط ،
لا أنها شرط في أصل صحة البيع ، فلو قدر على التسلم صح البيع وإن لم يكن البائع
قادرا عليه ، بل لو رضي بالابتياع مع علمه بعدم تمكن البائع من التسليم جاز وينتقل إليه ،
ولا يرجع على البائع ، لعدم القدرة إذا كان البيع على ذلك مع العلم ، فيصح بيع المغصوب
ونحوه نعم ، إذا لم يكن المبيع من شأنه أن يقبض عرفا لم يصح المعاوضة عليه بالبيع ، لأنه
في معني أكل مال بالباطل ، وربما احتمل إمكان المصالحة عليه . ( 46 )
شرح
( 46 ) الأصفهاني : لا يخفى أن بدو كلامه وما رتب عليه أولا وإن كان يوهم إرادة ما سيأتي ، من
أن الغرض الأصلي من اعتبار القدرة على التسليم هو تمكن المشتري من تسلمه ، بل مجرد حصوله
في يده ، وحينئذ فتسلم المبيع من مصالح المشتري ، وتسلم الثمن من مصالح البائع ، إلا أن نفي
الشرطية لأصل صحة البيع - مع تفريع الصحة على علمه ورضاه بابتياع ما لا قدرة عليه - يدل
على ما أفاده ، من كونه مخالفا في اشتراط صحة البيع بالقدرة .
وجه عدم الاعتبار مع العلم والرضا تارة شرطية عنوان لا يجامع العلم والرضا كعنوان الخدعة ،
فإذا كان الغرر بمعنى الخدعة مانعا فهو لا يتحقق مع العلم والرضا ، فينحصر في صورة الجهل مثلا ،
إلا أنه خلاف ظاهر كلامه ، حيث نفي الشرطية لأصل صحة البيع ، إلا أن الشرط أمر خاص لا
يجامع العلم والرضا . وأخري جعل اعتبار القدرة من ناحية حق تسلم المبيع للمشتري ، فإذا علم
بعدم القدرة ومع ذلك أقدم راضيا به فلا حق له ، بخلاف ما إذا لم يعلم ولم يرض بعدمه فإن العقد
مقتض لحق التسلم ولا مانع منه ، وحيث يستحيل انفكاك الحق مع تمامية العلة فلا بد من اعتبار
القدرة ، لئلا يلزم انفكاك المعلول عن علته التامة ، وهذا البيان أنسب بجعله من مصالح المشتري
الموجب لكون أمره بيده ، وبتصريحه بأنه ليس شرطا في أصل صحة البيع .