شرح
قوله : ( ما جائني القوم إلا حمار القوم ) من يرتبط ويتعلق بهم وعلى هذا ، فيكون جميع المنقطعات راجعة إلى
المتصل في اللب ويكون حينئذ أبلغ في إفادة الحصر ، كما لا يخفى .
ويؤيد ما ذكرنا : أنه لو كان إلا بمعنى لكن لجاز أن يقال : ( ما جائني زيد إلا عمرو ) ، مع أن الظاهر :
عدم جوازه وأيضا " الظاهر : أنه لا يستعمل المنقطع إلا فيما كان المستثنى مربوطا " بالمستثنى منه فلا يقال : ( ما
جائني القوم إلا حمارا " ) إذا كان الحمار مما لا يتعلق بذلك القوم أصلا " .
والانصاف : أن ما احتملنا قريب جدا " ولم أر من ذكره من النجويين لكن لم أراجع كلامهم .
نعم ، راجعت ابن الناظم وكلامه كالصريح فيما ذكرت ، حيث قال : ( وأما الاستثناء للقطع فهو الاخراج
ب : إلا أو غير أو بيد لما دخلت في حكم دلالة المفهوم ) إلى أن قال : ( وقولي في حكم دلالة المخرج
للاستثناء المتصل ، فإنه اخراج لما دخل في حكم دلالة المنطوق والاستثناء المنقطع أكثر ما يأتي مستثناء
مفردا " وقد يأتي جملة ) وذكر من أمثلة الفرد قوله عز وجل : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما
قد سلف ) ، فإنه مخرج مما أفهمه ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من المؤاخذة على نكاح ما نكح الآباء كأنه
قيل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فتؤاخذون به إلا ما قد سلف ) ، ومنه قوله تعالى : ( ما لهم به
من علم إلا اتباع الظن ) ، أي : ما لهم به من علم ولا غيره إلا اتباع الظن . وقوله تعالى : ( لا عاصم اليوم من
أمر الله إلا من رحم ) ، أي : لا عاصم لأحد إلا لمن رحمه الله ، ومنه قوله ( ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما
ضر وما في الأرض أخبث منه إلا إياه وجاء الصالحون إلا الطالحين ) ، فالمعنى ما عرض له عارض إلا
النقص وما أفاد شيئا " إلا ضرر ، أو ما يليق خبثه بأحد إلا له ، وجاء الصالحون وغيرهم إلا الطالحين .
ومن أمثلة الجملة : قولهم : ( والله لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن افعل كذا وكذا ) وتقدير الاخراج في
هذا أن يجعل قوله ( لأفعلن ) بمنزلة لا أرى لهذا العقد مبطلا " إلا فعل كذا وعليك بمراجعة كتب النحو
وموارد استعمال المستثنى المنقطع في كلمات العرب فلعلك تظفر بمن يقول بذلك غير ابن الناظم أيضا " ، أو
لعلك تظفر على ما يحقق ما ذكرنا بملاحظة التزامهم بعدم الاستعمال إلا في موضع يكون المستثنى من
المرتبطات بالمستثنى منه فتدبر .