شرح
ثم إن كون الاستثناء في الآية منقطعا " إنما هو إذا كان المراد من الباطل الباطل العرفي ، فإن التجارة عن
تراض حينئذ ليس بباطل عرفا " ، سواء جعل المستثنى منه الباطل والأموال المقيدة به أو أكل الأموال المقيدة
به . ويمكن أن يقال : إنه متصل ، بدعوى : أن المراد به هو الباطل الشرعي ، والغرض بيان كون كل أكل
باطلا " إلا التجارة عن تراض ، فيكون المعنى : لا تأكلوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه ، فإن كل وجه
باطل إلا التجارة عن تراض ، فذكر الباطل لبيان علة الحكم فهو نظير قولك : ( لا تعبد غير الله شركاء ) ، فإنه
في قوة قولك ( لا تعبد غير الله شركاء ) ، فإنه في قوة قولك ( لا تعبد غير الله فإنه شرك ) وكقولك : ( لا
تفعل كذا عبثا " ) ، فإن المراد بيان عبثيته ، أي : لا تفعل ، فإنه عبث وليس الغرض إن هذا الفعل قد يكون
عبثا " وقد لا يكون بمعنى أنه يمكن اتيانه على الوجهين والمأمور به هو الفرد الذي ليس بعبث ليكون القيد
احترازيا " وأشباه ذلك كثيرة .
ويؤيد ما ذكرنا : إن ظهور الآية في الحصر مما لا يمكن انكاره فهذا كاشف عن كون الاستثناء على الوجه
الذي ذكرنا فتدبر . ( ص 126 )
الإصفهاني : الظاهر : من بعض أهل الأدبية وإن كان التلازم بين الاتصال والمفرغية ، بمعنى : أن المفرغ لا
يكون إلا متصلا " وحينئذ فيورد عليه قدس سره بأنه لا معنى لتقييد المنقطع بغير المفرغ إلا أنه ملازمة بين
المفرغية والاتصال الواقعي لامكان كون المستثنى منه المقدر منقطعا " ، كما إذا قيل : ( هل جائك القوم ؟ فقال :
ما جائني إلا حمار ) ، فإن المقدر في الجواب هو المذكور في السؤال فلا ملازمة بين المفرغية والاتصال .
نعم ، حيث إن ظاهر الاستثناء هو الاخراج الحقيقي فمع التفريغ وعدم القرينة يقدر المستثنى منه متصلا "
لظهور أداة الاستثناء مع عدم الصارف . ولعله مراد من ذكره من أهل الأدبية المفرغ لا يكون إلا متصلا " .
وعليه فتقييد المصنف قدس سره سديد وغرضه رحمه الله : إن المستثنى منه ليس منقطعا " واقعيا " حتى يحكم
باتصاله تحفظا " على ظهور إرادة الاستثناء في الاتصال ، بل منقطع مذكور فباب احتمال اتصاله منسد
لمكان عدم المفرغية وعليه فيكون أداة الاستثناء بمعنى لكن فلا يفيد الحصر .
والحق : أن الاستثناء لا يقتضي حقيقة الدخول لئلا يلائم الانقطاع ، بل ربما يكون المصحح توهم الدخول ، كما
لعله كذلك في قوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) ، فإنه حيث كان بينهم وإن لم يكن