شرح
الإصفهاني : اعلم أن الشئ إنما يتعلق به الإرادة المحركة للعضلات ، إذا كان فيه جهة ملائمة لقوة من
القوى ، فينقدح بسببها الشوق في النفس ، فيتأكد إلى أن يصير علة تامة لحركة العضلات ، وهذه الملائمة
ربما تكون بالإضافة إلى القوة العاقلة ، وربما يجتمع فيه جهتان من الملائمة الطبيعية والعقلية ، كما أنه
ربما تلائم القوة الطبيعية كشرب السكنجبين للمريض ، فإنه يلائم القوة الذوقية وينافر القوة العاقلة ،
وربما يلائم القوة العاقلة وينافر القوة الطبيعية
كشرب الدواء ، فإنه يلائم القوة العاقلة من حيث كونه
دافعا " للمرض وينافر القوة الذوقية لمرورتها ، فإذا اشتد الشوق العقلي وغلب على الكراهة الذوقية فلا
محالة يشربه ، وإلا فيتركه ، فما من فعل إرادي ، إلا ويصدر إما عن شوق طبعي ، أو عن شوق عقلي ،
وليس الطيب والرضا ما وراء الإرادة ومباديها ، فالطيب طبعي تارة وعقلي أخرى ، فالفعل الصادر عن إكراه صادر عن
طيب عقلي غالب على الكراهة الطبيعية وإلا لما صدر .
ثم ، إنه من الواضح : أن مناط صحة المعاملات لا ينحصر في الطيب الطبعي ضرورة أن البيع الذي دعت
إليه الحاجة الضرورية صحيح ، وإن كان مكروها " طبعا " ، بل ولو كان لدفع مال أكره عليه ، فإنه لا شبهة
في صحة البيع إذا كان لدفع ضرر الغير بدفع الثمن الذي أكره على دفعه ،
فيعلم : أن المناط مجرد الطيب الأعم من الطبعي والعقلي ، فعقد المكره غير فاقد لما هو موجود في غيره من
الشرط - وهو الطيب - وإنما لا ينفذ لوجود المانع المفقود في غيره - وهو كونه مكرها " عليه - ، فالمناط
هو الاكراه ، لا الكره ،
وعليه فلا يصح الاستدلال على فساده بقوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض . ) ، أو ( لا يحل إلا
عن طيب الخ ) ، لوجود الرضا والطيب ، بل الصحيح الاستدلال بمثل حديث الرفع وأخبار طلاق المكره
وأشباهها .
وتبين من جميع ما ذكرنا : ما في كلمات المصنف قدس سره في هذا الباب من الاستدلال بالآية وبرواية ( لا
يحل ) ، ومن نفيه للطيب هنا واثبات الطيب في بيع ما يتوقف عليه ، دفع المال المكره عليه ، فإن أراد الطيب
الطبعي ، ففي كليهما منتف وإن أريد الطيب العقلي ففي كليهما ثابت . وأما دعوى : أنه غير مستقل
بالتصرف هنا وأنه مستقل بالتصرف هناك .