أشرفنا على غرفته في منزله بالكاظميّة ، فإذا بنا نشرف على أسد رئبال ، امتلأ مهابة وجلالة ، وجلسنا بين يديه بعد تقبيل يديه ، وكان ألحّ عليه المرض ، فألفينا أنفسنا جالسين في حضرة أحد الأئمّة المعصومين .
علم زانه حلم ، وورع ازدان بأخلاق هاشميّة ، وتقشّف فوفّته المهابة ، وأحاط به الوقار والجلال ، ولمّا تقدّمنا لوداعه أبى مع ما به من عجز عن الوقوف إلّا أن يقف مودّعا ومشيّعا فقلنا : تاللّه كلّما زاد العظيم عظما ، تقدّم نحو التواضع قدما .
وخرجنا ونحن نلتفت إلى الوراء ، لتزداد عيوننا اكتحالا بمرآه ، وكان لهذه الزيارة التي كانت الأولى والأخيرة روعة وأيّ روعة في نفوسنا ، وعزمنا على تكرار الزيارة إن استطعنا لكن لم نستطع ولم نتوفّق .
وكنّا نمني النفس بالعود للعراق وأوّل ما نبدأ به بعد زيارة الإمامين زيارة ابنهما ووارث أخلاقهما ، لكن :
هي المقادير فلمني أو فذر * إن كنت أخطأت فما أخطا القدر
نعى الناعي السيّد الصدر ، فكان لمنعاه رنّة حزن وأسى بلغت أعماق النفوس .
وأقيمت المناحات في صور ، حيث يقيم ابن أخته العلّامة الجليل .
وملأت الصحف السيّارة أعمدتها مبيّنة فداحة هذا الرزء الأليم .
وقد شيّع إلى مرقده الأخير في الكاظميّة باحتفال مهيب ، حضره كبار الوزراء والعلماء والأعيان - ثمّ ذكر نسبه وقال : - أولئك أعلام الامّة ، وأئمّة المسلمين في عصورهم لا يدافعون ، آباؤه ونبعته التي انحدر منها ماء طاهرا من طهر طاهر مطهّر .
فنحن نكبر هذه الخسارة الفادحة ، التي أصابت العلم والعمل والشرف والنبل في الصميم ، متقدّمين للاسرتين الكريمتين وهما أسرة واحدة : آل صدر الدين ، وآل شرف الدين بالتعزية المفعمة بالألم الممض ، سائلين المولى سبحانه أن يقوم منهم أكثر من واحد يملأالفراغ الذي أحدثه الراحل الكريم المنتقل إلى جوار اللّه وجنانه ، ورحمته ورضوانه ، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، انتهى ملخّصا .