تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 743

مساهمون:

ص٧٤٣
كنت أعرفه جيّدا ، وأعتقد أنّه حرّ التفكير في الباطن ، فسرنا في أزقة الكاظميّة المتعرّجة الضيّقة ، حتّى وقفنا أمام مدخل صغير مظلم ، ثمّ قادني صاحبي خلال خمسين ياردة من ممرّ طويل ، أوصلنا إلى بيت السيّد في النهاية ، وكان البيت قديما ، يرجع إلى مائة سنة على الأقلّ في أوّل عهده ، تشاهد فيه المشابك الخشبيّة الجميلة التي تقادم عهدها ، وهي تحجب الديوان في الطابق الأعلى ، كما كانت الغرف كلّها تفتح أبوابها من فناء الدار . وكان نجل السيّد حسن ، السيّد محمّد ، يقف في الشرفة للترحيب بنا ، وقد تسربل بلباس أسود ، وبانت في وجهه لحية سوداء ، تنتصب على رأسه من فوقها عمّة قاتمة اللون من العمائم‌التي تعرف بها طبقة المجتهدين . وكان السيّد حسن - وهو يجلس في الداخل - شخصيّة مهيبة قويّة بلحيته البيضاء ، وقد جلست على السجّادة إلى جنبه ، وبعد أن تبادلنا التحايا الرسميّة ، بدأ يتكلّم بلهجة العلماء ، أو لغة الكتب التي لا يسمعها المرء على لسان سائر الناس ، وعند المجتهدين أشياء كثيرة يقولونها في العادة ، فإنّ الكلام جزء من صنعتهم ، ولا شكّ أنّ ذلك يوفّر على الزائر شيئا كثيرا من العناء ، فتكلّمنا عن أسرة الصدر بجميع فروعها ، في إيران وسوريّا والعراق ، وعن الكتب ومجموعاتها العربيّة في القاهرة ولندن وباريس وروما ، إنّه يملك قوائم الكتب في المكتبات جميعها وتطرّقنا بعد ذلك إلى طقس سامرّاء الذي شرح لي بأنّه أحسن من طقس بغداد بكثير ؛ لأنّ سامرّاء تقع في المنطقة المناخية الثالثة في عرف الجغرافيّين وكان يتحدّث بعنف وقوّة ، وقد كان يخالجني وأنا في موقفي هذا شعور جادّ بأنّه لم يتسنّ لامرأة غيري من قبل مطلقا أن تدعى لتناول القهوة مع عالم مجتهد وتستمع إلى حديثه ، وكنت حريصة في الحقيقة على أن أترك انطباعا حسنا عنده .