السبب في إسراعنا
كانت مدّة غيابنا عن بغداد في هذا الوجه لا تتجاوز خمسة وعشرين يوما ، على أنّا كنّا نرغب في أن نقف على ما في تلك الربوع من مظاهر الحضارة قديمها وحديثها ، وأن نتشوّف ألوان حياة طالما عني التأريخ بأخبارها الخيّرة ، وقد رأينا آثارها في العلم والدين نيّرة وهّاجة ترفع أهلها إلى منازل الصدق والإيمان .
ولكن منعنا عن ذلك أنّ إيران في هذه الفترة كانت تنوء تحت كابوس رضاشاه بشرّ عظيم « 1 » ، وترزح منه تحت حذر باهظ يجهدها بخوف يتّقي فيه كلّ امرئ نفسه ، وكنّا نسمع من المتحدّثين عن عهود الظلم الفاحش أنّ « للحيطان » آذانا ، مبالغة في الخوف
هامش
( 1 ) - . اختلفت الأقوال حول أصل رضاشاه فبعضهم قال : إنّه ورث الجنديّة بالأصالة عن آبائه وأجداده ، وبعضهم قال : إنّه من أصل وضيع وكان في أوّل أمره مستخدما في المطاعم والمقاهي ، وكانت ولادته في سوادكوه من بلاد مازندران سنة 1295 ، وقد انخرط في سلك الجنديّة وأبدى نشاطا في وظيفته ، رقي بسببه إلى رتبة عريف ، ثمّ رئيسا للعرفاء وبرزت مواهبه ، فبدأ يرتقي سلّم المناصب في الجيش حتّى صار رئيسا لإحدى الثكنات العسكريّة في طهران ، فآمرا لمعسكر همدان ، وكان لبريطانيا مصالح حيويّة في إيران بعد الحرب الأولى ، وهي في خطر من الزحف الشيوعي ، وتفاديا لذلك قرّر الإنكليز تغيير الملك أحمدشاه القاجاري ، وإناطة الأمور بيد قويّة تقف سدّا دون هذه الأخطار ، فوقع اختيارهم على اثنين من الساسة الإيرانيّين ، وهما نصرة الدولة فيروز ، وسردار أسعد بختيار ، فعرضوا على كلّ منهما أن يعتلي العرش وبشروط مسبقة فرفض كلّ منهما ذلك ، وكانت هذه المفاوضات تجري في همدان ، فعرف رضاشاه بذلك فأسرع إليهم وعرض عليهم نفسه ، وضمن لهم تنفيذ شروطهم بشرط أن يعتلي العرش ، فنفذوا خطّتهم معه على مراحل فنقلوه أوّلا إلى طهران آمرا لمعسكرها ، ثمّ تقلّد وزارة الحربيّة ، وأصبح الرئيس الأعلى للقوات المسلحّة فرئيسا للوزراء كلّ هذا في أقلّ من سنتين فتسلّم السلطة بيد من حديد وغادر أحمد شاه بلاده إلى أوروبا ، فعزله بعد ذلك المجلس التشريعي ، وشكّل رضاشاه مجلسا تأسيسيّا ، فنصبه ملكا وذلك سنة 1345 ، وفي أثناء الحرب الثانية طلب الحلفاء منه أن يوافق على استخدامهم السكّة الحديديّة حتّى يستطيعوا إيصال الإمدادات إلى حليفهم الاتّحاد السوفياتي ، وأبدوا استعدادهم لدفع التعويضات عن الأضرار التي ستلحق بإيران ، فرفض ذلك وجاء ردّ الحلفاء بعد ثلاثة أيّام ، فقد دخلت جيوشهم إلى إيران ، فطلب الشاه مقابلة السفير البريطاني على عجل ، فقال له : أوقفوا الزحف إنّ طلباتكم كلّها مقضيّة ، وخرج السفير كي يبلغ حكومته ذلك إلّا أنّه أعلم بعد سويعات أن لا مفرّ من العودة إلى البدء ، فوقع وثيقة التنازل ، ثمّ نفي إلى جزيرة موريس في أفريقيا الجنوبيّة ، وذلك سنة 1360 ، وتوفّي هناك سنة 1363 لقاه اللّه عمله . انتهى عن إيران في ربع قرن وغير ذلك [ راجع تاريخ رجال إيران 2 : 2 - 9 ] . « ع »