وما نحن وهذه المفاتن فحسبنا منها الآن هذه المتعة البريئة التي ترينا اللّه في هذا الكون الجميل ، وفي هذه الطبيعة الشاعرة ، وفي هذا الوجود الرائع .
وها نحن نهبط منعرجات « هزار درّه » ( 1 ) هذا الجبل العظيم ، منحدرين في أكواعه ، ولا نكاد ننتهي من هذا النزول الرهيب حتّى ننطلق في سهول فيحاء يمتدّ فيها البصر في غير حدّ ولا حاجز ، وإن كان لابدّ من شيء نأخذه على هذه السهول الطيّبة ، فتلك الجراحات الصارخة في بور هذه الأرض ومجاريها ، وهي جراحات من صنع الإقطاع ، وعمل الاستبداد النفعي الواضحين في كثير من مظاهر الحياة الإيرانيّة .
وإنّنا لنعيد هنا ما قلناه في سهول « سلطان آباد » فللفقر هنا بين طهران وخراسان رعيّة نامية العدد نموّا مخيفا قاسيا .
ومهما يكن فقد مضينا قدما مسيرة ليلتين وثلاثة أيّام بين شكول وألوان متشابهة الجبال والسهول والخواطر ، مررنا خلالها بجبال دماوند وسمنان ودامغان ، واجتزنا بطبيعة الحال شاهرود ، وهي أولى بلاد مقاطعة خراسان ، ونحن في شاهرود - إذا - ندخل في حمى الإمام الرضا عليه السلام ؛ إذ نحن منه على مسافة مائة ميل فقط .
وبينما كان هذا الشعور يحرّك فينا شتّى نوازع الشوق والحنين ، كانت الحياة تدبّ جديدة ناضرة نشيطة في هذه الأرجاء ، فالأحياء في هذه السهول تدلّ عليهم مظاهر الزرع والإعمار ، ومن أروع ما سنح لنا في هذه الرحلة أسراب الظباء المحتشدة في هذه المواضع ، وأروع ما في ذلك أنّنا أحسسنا أنّها أليفة الفة الحمام في الحرم ، فلا تجفل ولا تخشى كأنّها في مأمن .
وبالرغم من تشوّفنا إلى ما كان يمرّ بنا أو نمرّ به من تلك المجالي الحسان ، فإنّ قربنا من المشهد الأقدس كان يستأثر بأحاديث النفس ومناجاة الروح ، ولاسيّما بعد هذا السفر الطويل المرهق .
شرح
( 1 ) « هزار » باللغة الفارسيّة معناها ألف . و « درّه » معناها كوع .