الناس إزاء أمر واقع فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى بعض ما أرادوه ، فتولّاها حينئذ زعامة تدريس وقيام بغير القضاء والإفتاء من الأمور العامّة ، على أنّه كان على بيّنة من كفايته للقيام بهما ، لكنّ الورع والاحتياط يمنعانه ما دام الأمر غير محصور به .
نزلنا ضيوفا عليه فإذا هو كما عهدناه نجعة المكارم ، يرتاح للقرى ، ويخفّ للندى ، فيّاحا نفّاحا ، ملكته بنا هزّة الأريحيّة ، فمدّت باعه في حسن الضيافة إلى أبعد الغايات ، لكن الشاه البهلوي بتنمّره وتنكّره وشدّة وطأته على أهل العلم - كما ستسمعه « 1 » - أحال السيّد إلى رجل هيّابة ترعابة منقبض على نفسه موحش البسمات ، كما أحال غيره من رجال العلم والدين في إيران ، ولكنّه على الظاهر كان أشدّ خوفا من غيره ، ولا غرو فإنّ جوّ إيران يومئذ كان جوّا عبوسا قمطريرا ، وكان جوّ قمّ يمتاز في ذلك على غيره ؛ لامتيازها بكثرة العلماء وأهلالدين ؛ وهذا ما دعانا إلى الإسراع في المسير وإن عزّ ذلك عليهم وعلينا .
نحو « الشاه عبد العظيم »
غادرنا قمّ بعد خمسة أيّام من دخولنا إليها قاصدين مشهد أبي القاسم عبد العظيم ( 1 ) ابن عبداللّه بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهمالسلام ، ومشهده في ضاحية من ضواحي طهران ، جميلة غناء ، تدعى « الشاه عبد العظيم » ؛ لدفنه فيها ، وهو من علماء أهل البيت الذين تصرّفت بمصايرهم الأقدار القاسية في عهد الإرهاب العبّاسي .
شرح
( 1 ) كان قدسسره ذا ورع ودين عابدا زاهدا معروفا بالأمانة وصدق اللهجة ، ممتازا في رجال أهل البيت بعلمه وعمله ، كثير الحديث والرواية ، يروي عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى ، وعن ابنه الإمام أبي الحسن الهادي وقد عرض عليه دينه ، ولكلّ من الإمامين
هامش
( 1 ) - . ستسمعه في ص 701 وما بعدها .