وهي بهذا تسلسل خطاها من ذلك العهد في سداد وحكمة برعاية إمام كالشيخ عبد الكريم اليزدي المقدّس حامي تراثها ، ومنشئها غضّة زاهية الأعطاف بأعلام هدى كالسيّد صدرالدين الصدر وأنداده في العلم والإخلاص واليقظة والزهد .
بهذه الذهنيّة وفدت على قمّ ، وهاتان الصورتان تتغازلان في مخيّلتي ، فتبسم إحداهما للأخرى عن مفلّج كوثري الريق ، وتكشف إحداهما للأخرى عن صدر مشرق النحر - كأن ثدياه حقّان - .
وكانت تتخاطف بين هاتين الصورتين كرائم الصور ، يعرضها ماضي شبابنا الممتلئ بذكر أخي وابن خالتي السيّد صدرالدين ، هذا الذي سنفد عليه خلال ساعات قصيرات بعد سنوات طوال أو قدت في النفس للشوق نارا متسعّرة اللهيب .
وها نحن نشرف على مدينة ضاربة في هيكلها العمرانيالقديم لم يمسسها الفنّ الحديث إلّا بمعول الشاه البهلوي الذي كان يخطّ آنئذ الخطط الهندسيّة لشوارعها الجديدة .
ولكن روح المدينة متأثّرة بروحانيّة الأئمّة من أهل البيت عليهمالسلام يمثّلها صدوقهم الثاني الشيخ عبد الكريم اليزدي بسمته وهديه ، وبمدرسته الجامعة التي تعوّض بمعناها السمين عمّا هزل من هيكل المدينة العمراني .
تضمّ مدرسته نحو ألف من طلّاب العلوم كانوا بأجمعهم عيالا عليه ، ينفق عليهم من صندوق المال المجتمع من أنحاء المملكة المودوع لهذه الغاية لدى جمعيّة من عدول التجّار ، يقتفون في إنفاقه خطط الشيخ الخاضعة لسجلّات اقتصاديّة دقيقة ، جرت على وفق الأصول الماليّة المعروفة في المؤسّسات المنظّمة .
ولهذا الشيخ في هديه سيرة مشتقّة من سيرة أمير المؤمنين - ولا سيّما في الأموال - استمرّ عليها منذ ولي الزعامة حتّى لحق بربّه مبرورا مشكورا ، وذلك سنة 1355 .
كان يرشّح السيّد صدرالدين الصدر للقيام بالأمر من بعده ، ولهذه الغاية استدعاه من خراسان وعزم عليه أن يتوطّن قمّا واجتمع الناس بعد الشيخ حوله متّفقين على اختياره ، لكنّه أبى عليهم ، وبالرغم عن إبائه تقدّمت به مكانته في النفوس حتّى أوقفه
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 694
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٦٩٤