وإذا كنّا على عذرنا في عدم النشاط والنشر في زمن من الأزمان فإنّنا اليوم مقصّرون في الخلود إلى الراحة ، وهو تقصير يعين القوم على الجهل ، ويساعدهم على استمرار هذا الشقّة التي لا يليق استمرارها بين الإخوان .
في العودة
ودّعنا مكّة المعظّمة قبيل المغرب من يوم السابع عشر من ذيالحجّة والقلب يهفو إليها ، منوطا بشعائرها ومشاعرها ، ولوعا بمليكها ، مكبرا لأياديه ، نابضا بشكرها ، فكان منزلنا في مرحلتنا الأولى بستان جلالته في حدّة - حيث أقمنا سحابة ذلك النهار - وظلاله الوارفة ومياهه العذبة تقينا شرّ آب اللّهاب ، وتعيننا على أعمال ذلك اليوم - يوم الغدير - صلاة وأدعية وزيارة والحمد للّه على التوفيق .
تابعنا السير في المساء فأصبحنا في منزلنا من جدّة ، ومكثنا ثمّة إلى يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي الحجّة ، وفيه أبحرنا قافلين فكنّا على حالنا في الذهاب من إقامة الفرائض الخمس جماعة ، وتفقّد إخواننا في الباخرة وما إلى ذلك من إسعافهم ، حتّى رست بنا الباخرة في مرفأ الطور يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي الحجّة ، فوافانا الطبيب النطاسي سليم زيدان في ثلّة من أطبّاء الصحّة يحتفون بنا ، ويهنّئوننا بالسلامة ، ثمّ جاءت القوارب البخاريّة ، فنقلت الحجّاج إلى محلّ الحجر الصحّي من البرّ ، لكنّني آثرت البقاء في الباخرة مدّة الحجر ومعي ابن عمّي ومن يختصّ بي ، فكان الطبيب سليم زيدان « 1 » يختلف إلينا في كلّ يوم بعلاجاته وهداياه التي كانت تلطّف علينا الجوّ القائض ، ولم يأل جهدا فيما هو أهله من الأخلاق واللطف .
ويوم السبت ثاني المحرّم الحرام سنة 1341 كان منتهى الحجر ، فمخرت بنا الباخرة تطوي الخضمّ في سيرها تجاه بيروت حتّى رست في مرفئها صباح الثلاثاء
هامش
( 1 ) - . أصله من النفاخيّة في قضاء صور ، كان أديبا كاملا ، ذا أخلاق حسنة ، طيّب المعشر ، توفّي في الإسكندريّة سنة 1371 . « ع »