تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
ما أكرم تلك الذكريات المتألّقة في مدارج سيّد النبيّين من ثرى مكّة ، وكلّ شيء في مكّة عليه من سيّد النبيّين وخاتم المرسلين آثار تفتح للذهن وجوها للتفكير وترسم صورا للادّكار تشرئبّ من هالاتها النورانيّة رؤوس ، وتتلألأ ثغور تأخذ بالأبصار والأعنّة ، وتنقل النفوس من دنيانا الهيّنة هذه إلى دنيوات الفتح والجلال والقدس . يوم كانت مكّة تتدفّق برباها وشعابها في أطراف الجزيرة ، ثمّ تتّسع وتمتدّ فإذا هي نطاق يتجاوز هذه الرقعة من الصحراء إلى عالم رحب أرحب من الفكر بعيد أبعد من متناول الطموح ، وإذا هذا النطاق يخرج مكّة من معناها الجغرافي المحدود إلى معناها العلوي الذي لا يحدّ ، ولا تجد الدنيا البعيدة مهربا منها ، وهي تمتدّ سريعة خفيفة ؛ لتعقد طرفيها المنطلقين وراء الآهل المسكون من هذه الكرة . هذه مكّة تنشئ الشرائع والحضارات ، وتظفر بالنقطة الوسطى من عالم التمدّن فتمتدّ منها طرق ، وتبتدئ منها الخطوط إلى حيث تشاء من أجزاء هذا العالم وعواصمه ، وتكون نقطة المبدإ في مقايس القرب والبعد بعد أن كانت تتنكّب الطريق عن المناهل والحضارات نائية في تلك الشعاب القاحلة الضامئة لا يمرّ بها القياس العالمي ، ولا هي منه في شيء . هذه مكّة يتموّج في جوّها صوت الرسالة فتسبح هي منه في لجّة طهّرت طبيعتها من أوضارها الطارئة ، وجلت جوهرها المدّخر من صداه المركوم ، ثمّ تسبح معها يثرب ، ثمّ يتجرّد الحجاز فينضو عنه ثيابه الخلقة المرذولة بين يدي هذه اللجّة الهاجمة ، ثمّ تتلاصق المدن والأقطار ، فلا تظلّ مدينة مشت حول أسوارها خيول الإسلام إلّا عادت جزءا من أجزاء مكّة تخوض معها في هذه اللجّة المشعشعة المباركة ، رعى اللّه مكّة وحماها . لقد استأثر بي تأريخها ساعات هنيئة فحملني على أجنحته ، ومضى يخفق بي في أجواء وددت أنّي لم أعد منها إلى هذا الجوّ ، وتمنّيت أن أظلّ على تلك الأجنحة أطوف بها في مهابط الوحي على مهل ، وأسعى في طلول الأمجاد على آثار محمّد وعليّ