تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 645

مساهمون:

ص٦٤٥

في جدّة

كنّا كذلك حتّى انتهينا إلى جدّة ، وما إن نزلنا منها منزلنا الرحب حتّى زارنا رئيس حكومتها - القائمقام - الشيخ عبداللّه زينل في ثلّة من الأجلّاء فيهم رئيس البلديّة وناظر الجمرك فرحّبوا بنا ، واختلف إلينا كلّ من الشريف طه ، ومحمّد ناصيف - وكيل الإمارة في جدّة - والأديب قسطنطين يني اللبناني يلتمسون أن نكلّفهم بخدمة فقابلنا التماسهم بالشكر . وفي اليوم الثاني عاد إلينا القائمقام زائرا ومرحّبا ومهنّئا باسم الملك ، وقد حمل إلينا عنه من العواطف ما كنّا نحرزه بشيخ الأبطح ومليك الهاشميّين في هذا العصر . ثمّ جاءنا أحد قوّاد الجيش موفدا من الملك ليكون في ركابنا إلى امّ القرى ، فكان معنا في جدّة إلى حدّة ، ومنها إلى مكّة أعزّها اللّه تعالى ، وأنزلنا بستانا للملك في حدّة ملتفّ الأشجار وقانا بوارف ظلاله وسمين أفيائه وتسلسل مائه المنساب في جداوله ما كنّا نحذره من ذلك الجوّ القائظ العنيف بسمومه ، ونزل الحجّاج يومئذ في البحرة أو البحيرة ، وهي رملة واسعة غربي جدّه فيها أكواخ قش جعلت محطّة بين جدّة ومكّة ، يمكث الحجّاج فيها سحابة النهار تصهرهم الشمس على غير ماء إلّا الآجن ، وقد مات فيها من شدّة الحرّ والعطش نساء ورجال كثيرون ، وكان العنت فيها عامّا . فالحمد للّه الذي عافانا ممّا ابتلى به غيرنا ولو شاء لفعل .

في مكّة

أقبلنا على مهبط الوحي فأقبلت علينا منه معالم التأريخ تتواكب في ذلك الأفق الكريم ، وتنبعث فيه أرواح السماء التي كانت تتنزّل على سيّد البشر في تلك الشعاب الرفيعة من مهد الرسالة الغرّاء ، ومصدر النبوّة الناهد بها محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدنيا في زحف كزحف النور على تجاليد الظلام وقطعه الدوامس .