تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨

في المنفى

لا أقصد بهذا العنوان غير مدلوله الحرفي ؛ لأدلّ به على هذا الجزء من هذه السلسلة ، ودمشق - بعد - منتزه لم أشعر فيه إلّا كما يشعر ذو الوطن بنعمة وطنه العزيز ، وكنت أحسّ مضافا إلى ذلك بلذّة الجهاد الذي صيّرني في نعمة أخرى من ضميري ، وما عليّ إذا تظافرت الأسباب أن لا تنصاع لنا الأمنية ويطيع الأمل ؟ وفي كلّ حال فقد قضيناها شهورا في دمشق اجتمع إلينا فيها من عوائلي ما ملأ دورا ثلاثا كبيرة ، وكان خلال هذه الشهور يعتاد مجلسنا الوزراء والعلماء والرؤساء ، وفي مقدّمتهم بطل الجهاد في هذه الفترة يوسف بك العظمة « 1 » ،
هامش
( 1 ) - . ولد في دمشق سنة 1301 ، وأكمل دروسه في المدرسة الحربيّة بالآستانة سنة 1906 - 1324 - وخرج برتبة « يوزباشي » أركان حرب ، وارسل إلى ألمانيا للتمرّن عمليّا على الفنون العسكريّة ، فمكث سنتين وعاد إلى الآستانة ، ونشبت الحرب العامّة ، وعيّن رئيسا لأركان حرب الفرقة العشرين ، ثمّ الخامسة والعشرين وكان مقرّ هذه في بلغاريّة ثمّ في غاليسيّا النمسويّة ، ثمّ في رومانيّة ، وعاد إلى الآستانة فرافق أنورباشا ، ناظر الحربيّة العثمانيّة في رحلاته إلى الأناضول وسوريّة والعراق ، ثمّ عيّن رئيسا لأركان حرب الجيش العثماني المرابط في قفقاسيّة ، فرئيسا لأركان حرب الجيش الأوّل بالآستانة ، ولمّا وضعت الحرب أوزارها عاد إلى دمشق فاختاره الأمير فيصل مرافقا له ، ثمّ عيّنه معتمدا عربيّا في بيروت ، فرئيسا لأركان الحرب برتبة قائم مقام في سوريّة ، ثمّ ولّي وزارة الحربيّة سنة 1920 بعد إعلان تمليك الأمير فيصل بدمشق ، فنظّم جيشا وطنيّا يناهز عدده عشرة آلاف جندي ، واستمرّ إلى أن تلقّى الملك فيصل إنذار الجنرال غورو بوجوب فضّ الجيش العربي ، وتسليم السلطة الإفرنسيّة السكك الحديديّة ، وقبول تداول ورق النقد الفرنسي السوري ، وغير ذلك ممّا فيه القضاء على استقلال البلاد ، فتردّد الملك فيصل ووزارته بين الرضى والإباء ، ثمّ اتّفق أكثرهم على التسليم ، فأبرقوا إلى الجنرال غورو ، وأوعز فيصل بفضّ الجيش ، ولكن بينما كان الجيش العربي المرابط على الحدود يتراجع منفضّا كان الجيش الإفرنسي يتقدّم بأمر الجنرال غورو ، ولمّا سئل عن هذا الأمر أجاب بأنّ برقيّة فيصل بالموافقة على بنود الإنذار ، وصلت إليه بعد أن كانت المدّة المضروبة « 24 ساعة » قد انتهت ، وعاد فيصل يستنجد بالوطنيّين السوريّين لتأليف جيش أهلي يقوم مقام الجيش المنفضّ في الدفاع عن البلاد ، وتسارع شباب دمشق وشيوخها إلى ساحة القتال في ميسلون ، وتقدّم صاحب الترجمة يقود جمهور المتطوّعين على غير نظام ، وإلى جانبهم عدد يسير من الضبّاط والجنود ، وكان قد جعل على رأس وادي القرن في طريق المهاجمين « ألغاما » خفيّة ، فلمّا بلغ ميسلون ورأى العدوّ مقبلا أمر بإطلاقها ، فلم تنفجر ، فأسرع إليها يبحث ، فإذا بأسلاكها قد قطعت فعلم أنّ القضاء نفذ ، فلم يسعه إلّا أن ارتقى ذروة ينظر منها إلى دبّابات الفرنسيّين زاحفة نحوه ، وجماهير الوطنيّين من أبناء البلاد بين قتيل وشريد ، فعمد إلى بندقيّته - وهي آخر ما بقي لديه من قوّة - فلم يزل يطلق نيرانها على العدوّ حتّى أصابته قنبلة تلقّاها بصدر رحب ، وكأنّه كان ينتظرها ففاضت روحه في أشرف موقف ، ودفن بعد ذلك في المكان الذي استشهد فيه ، وقبره إلى اليوم رمز التضحية الوطنيّة الخالد ، تحمل إليه الأكاليل كلّ عام من مختلف البلاد السوريّة ، كان يجيد اللغات العربيّة والتركيّة والفرنسيّة والألمانيّة وبعض الإنكليزيّة ، وكان يوم ميسلون في 7 ذي القعدة سنة 1338 . انتهى ملخّصا عن الأعلام ج 8 ص 213 . « ع »
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 598 | السيد عبد الحسين شرف الدين / مركز العلوم والثقافة الإسلامية