جيوشهم - ولمّا أرتجل عن مركبي - وفرّقوها في أطراف الجبل موقرة بالأسلحة الثقيلة والعتاد ، وأوعزوا لها بالإمعان في القسوة والإرهاب والإهانة ، فمضت على غلوائها تخيف القرى الآمنة ، وتزعج الأسراب البريئة ، وتنهك المعايش بما تستنزف من ماشيتها وبيضها ودجاجها وألبانها وضروريّاتها الزهيدة ، حتّى وهن الكاهل تحت الثقل ، ولكن لا حيلة في ذلك ولا منجى ، وباللّه المستعان .
وكان الملك فيصل وفى بوعده ، وجهّز إلى الجبل قوافل من العتاد والأسلحة والأطبّاء ، ولكن الزعيم كاملا أرجع ذلك كلّه ؛ تعويلا على الحلول السلمية ، وأخذا بالأناة والتساهل .
ومهما يكن فقد كان نصيبنا من هذه الجيوش حملة جرّارة قدّرت بألف فارس مجهّزين بالمدافع الثقيلة والدبّابات والمدرّعات ، زحفت بقيادة الكولونيل « نيجر » إلى شحور ، وما كاد الفجر يتضوّأ بأضوائه النديّة حتّى كانت المدافع الثقيلة منصوبة على جبلي « الطور » و « سلطان » المشرفين على القرية ، وهبط الجيش يتدفّق بين كروم التين ويلتفّ حول القرية في رهبة أوحشت سكينة الفجر المستيقظ لذكر اللّه تعالى في مستهلّ شهر رمضان المبارك سنة 1338 ( 1 ) ، وكنت اهوّم بعد صلاة الفجر بنعاس بعد تعب السفر وتعب السهر ، وكانت وصيفتنا الصالحة « السعيدة » تتهيّأ لصلاتها فأشرفت على مدخل القرية - وهي تتبيّن الصبح - فراعها أنترى أنّ آذان الخيل تنتشر بين أشجار التين في مثل هذا البكور فأجفلت مذعورة ، ورجعت توقظني من نومي .
نهضت مسرعا إلى أرديتي وانسللت أتخطّى الأزقّة والمضايق ، ثمّ خرجت من بين العسكر وهم لي منكرون ، وتركتهم يتظنّنون ، وانسحبت أهبط الوادي إلى غار على
شرح
( 1 ) يوافق 5 حزيران سنة 1920