الحسن في المطالبة به ، لا أدّخر وسعا من قول ، ولا جهدا في عمل ، فإذا الشعب العاملي قائم على ساق يحتجّ على الحكومة بحرمانه وامتهانه دون إخوانه ودون جيرانه ، لا يستوطئ في ذلك راحة ، ولا يعرف دعة ، وما زال مثابرا على ذلك حتّى كشف اللّه عنه هذه الغمّة ببرقيّة من وزارة الحربيّة توجب الاجتزاء في إعفاء أئمّة مساجد الشيعة من التجنيد بمجرّد قرار إداري في تصديق إمامتهم ، وإن كان متأخّرا عن إعلان الحرب ، فثابت بهذا إلى العلماء نفوسهم ، واطمأنّ الناس على كرامتهم فالحمد للّه على ذلك .
بلايا المؤمنين حولي
وكان المؤمنون حولي قد فوجئوا بأنواع من البلايا لا يرون إلى التخلّص منها سبيلا ؛ إذ كان الحكم فيها خاضعا لشهوات الاستبداد الفردي .
ولعلّ ضعف الشيخوخة الذي منيت به الدولة العثمانيّة في ذلك العهد كان من أسباب ذلك العنف والاستبداد ، وقد استطار الشرّ ، وأخذت حلقاته بخناق من حولي من عباد اللّه وإمائه ، فإذا الحياة منكرة ، والعيش وبيل ، فرأيتني غير معذور إلّا ببذل الوسع في الإعذار ، وما كان لذي عاطفة إنسانيّة أن يمرّ على جثث الهلكى من جوعى تلك المحنة ، ثمّ يطمئنّ قبل أن يجاهد في سبيلها ، فلعلّه يفتدي الرمق المتلاشي من أولئك الفقراء ببعض ما لهم من الحقّ في ذمم الأغنياء ، ولعلّه يمسك الأنفاس الزاهقة بشيء ممّا للضعفاء قبل الأقوياء .
فطفقت يومئذ أستنجد الكرام الموسرين ، وأستجدي ضمائرهم لأولئك الهلكى بمرأى منهم ومسمع ، أتلو عليهم من محكمات الذكر الحكيم ، وصحاح السنّة الرحيمة ، ما تأخذهم به أريحيّة السخاء ، وتملكهم به الخفّة للمعروف .