والجوع ، فربّ عرض مصون كان يومئذ يبذل بأكلة ، وربّ مكتبة حافلة بنفائس الكتب بيعت بمدّ من طعام ، وكم أرض واسعة شريت بتافه من الدقيق ، وكم ، وكم ، إلى ما لا يسع هذا الإملاء بيانه من الحوادث والكوارث التي لسنا في سبيل تفصيلها . وإنّما مررنا بها تبيانا لألطاف اللّه سبحانه بنا ؛ إذ لم نكن في غمار المسوقين ببرة ( 1 ) الهوان إلى المعارك والمهالك من سواد الناس ، ولكنّا ممّن دهمتهم الويلات يومئذ من دهماء الجمهور ، بل كنّا بفضل اللّه تعالى ولطفه ممّن تداركهم برحمته ، فأشبعهم من جوع ، وآمنهم من خوف ، وعافاهم ممّا ابتلى به غيرهم ، ولو شاء لفعل ، فله الحمد زنة عرشه ، ومداد كلماته .
وحسبي ما أولاني بلطفه وكرمه من إيقاظي وإنهاضي إلى تدارك أمر العلماء في محنتهم يومئذ ، وعلاج ما يتسنّى علاجه من بلايا الجمهور حولي ، وقد صبّ الغاشمون عليهم سوط عذاب ، فاستحرّ بهم القتل صبرا ، والموت جوعا ، والاضطهاد حبسا وتنكيلا .
محنة العلماء
ولمّا صدر الأمر بسوق الرجال إلى ميادين القتال هبّت السلطة الغاشمة إلى تنفيذه بكلّ ما لديها من شدّة وغلظة واعتساف ، فساقت الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم بعصا واحدة كما سمعت ، ولم تكن أنظمة السوق تعفي من التجنيد سوى أئمّة المساجد والقوّامين على الطقوس ( 2 ) الدينيّة في كنائس أهل الكتاب .
شرح
( 1 ) البرة : حلقة توضع في أنف الناقة الصعبة تقاد بها قسرا « 1 » ، وهي هنا كناية عن العنف والشدّة .
( 2 ) الطقوس : كلمة نصرانيّة دخيلة يريدون بها الطريقة ، وقد غلبت على الطريقة الدينيّة « 2 » .
هامش
( 1 ) - . راجع لسان العرب 476 : 13 - 477 ، « ب . ر . ه » ؛ و 71 : 14 ، « ب . ر . ى » .
( 2 ) - . راجع المعجم الوسيط : 561 ، « ط . ق . س » .