المذاهب المسيحيّة - من كثالكة وموارنة وأرثوذكس وبروتستانت - متنافسين في إشادة معابدهم وزخرفتها أديارا ممرّدة ، وكنائس فخمة ، ترنّ نواقيسها ، فتملأ الأفق برجع صداها ، ونحن - من دون الأمم - صمّ بكم لا منائر ولا شعائر ولا منابر ، كأنّنا - لا سمح اللّه - لا دين ، ولا مذهب ، ولا حميّة ، ولا نفسيّة ، ولا دم ولا عرق ينبض .
أطلت القول في ذلك ، وامتدّ بي نفس الكلام عملا بمقتضى تلك الأحوال ، راغبا إليهم في اتّخاذ مسجد يجمعهم على عبادة اللّه تعالى ، ويطلق عنهم ربقة هذا الخمول ، فإذا المتنفّذون يستخفّونني عن رأيي ( 1 ) ، ويستفزّونني عن عزمي ، فنفضت يدي منهم ، وعلمت أنّي إنّما أستصرخ منهم غير مصرخ ، وأشتكي منهم إلى غير مشكي ، لكن عزيمتي لم تفشل ، ومريرتي لم تسحل ، وكأنّ أولئك المتزعّمين قد صقلوا - بصدودهم عنّا - أذهان المخلصين ، فجلوا عنها صدى الفتور ، فما خنست بعدها لهم همّة ، ولا انقبض لهم ذرع .
الحسينيّة
حتّى تبرّع أحدهم ( 2 ) بداره مجمعا للطائفة ، ومثابة لها أوقات الفرائض الخمس وعند كلّ اقتضاء ، فتقبّلتها منه بثمنها - مائتي ليرة عثمانيّة ذهبا - ألزمته بقبضها ، رفقا بحاله وعياله .
ووقفت الدار في سبيل ما يرجى عوده بالروح على روح سيّد الشهداء وخامس أصحاب الكساء عليهم السلام : «
ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
» « 1 » ، ونسبتها إليه - صلوات اللّه وسلامه عليه - فدعوناها الحسينيّة ، وشرعنا بعبادة اللّه - تعالى - فيها
شرح
( 1 ) أي يلزمونني عمّا كنت عليه من الصواب ، ومعنى يستخفّونني : يحملونني على الخفّة وترك الأناة والتثبّت .
( 2 ) هو الحاجّ سليمان الرز رحمه الله .
هامش
( 1 ) - . آل عمران 195 : 3 .