ومن هنا كانت العلوم الدينيّة وما إليها من المقدّمات والمبادئ غاية من أسمى الغايات ، يعتزّ بها الطالب في ذاته ، ويعتزّ به أهله وسائر من إليه ، وفي ذلك من التشجيع ما يشتدّ به الإقبال ، وتشدّ به الرحال .
وبهذا احتشدت الجامعات العلميّة ، وغصّت معاهدها بامم من الطلّاب ، تختلف أشكالهم ولغاتهم وألوانهم ، لكن مبادؤهم وأغراضهم متّحدة في التوفّر على تلك الثقافة العالية التي رفعت دنيانا ، وأخلصت نوايانا ، فوجدنا على نورها سبل الحياة واضحة ، مأمونة العثار دهرا ليس بالقصير .
وأيّ إرهاف في العلم وحضّ عليه أعظم من هذه العناية ، تستأثر بمظاهر الثقة ، وتستقلّ بنواحي الرضى ، وتملك هوى الامّة الإسلاميّة كلّها ، فيتشوّف الناس دائما إلى الحوزة العلميّة ، ويشغلهم دائما حديث زعمائها وطلّابها ، وتسكرهم دائما سلافة فضلها وآدابها ، فيتواصون بهم متنافسين في ولائهم والانقياد إليهم ، متحاضّين على ذلك .
فكان لهذا أثره في تدافع الطلّاب إلى خوض عباب العلم ، والغوص على أسراره ، وكانت له لوازمه من استخراج مخبّآت العلوم ، وتمحيص حقائقها .
وإنّ من الحقّ أن نسجّل الواقع في هذه المظاهر ، ونذيع السرّ في هذه الظواهر ، فإنّا إذا رأينا إقبالا من طلبة العلم على استساغته والتهامه ، ورأينا إقبالا من الناس عليهم بكلّ ما يمدّهم في علومهم ، ورأينا ظاهرا من التساند بين هاتين الظاهرتين ، فإنّا نرى إلى ذلك سرّا أكبر من هذا السرّ ، قد ابتنى عليه البعث العلمي ، وتمّ به الأمر لهم ، ألا وهو الإخلاص الذي كان يحدو طرفي الإقبال المشترك بين أهل العلم وبيئآتهم المؤمنة ، فقد كانوا متوازرين في سبيل هذه العاقبة المباركة التي أخصب فيها العلم ، وأثرى وأصدر من خصبه وثرائه للديار الإسلاميّة من العلماء الأعلام ، ومن الآثار الخالدة والجهود المباركة ، ومن الأفكار والابتكار ما لا يدرك شأوه ، ولا تلحق آثاره .
ولعلّ هذا الانتاج الفوّار الغزير يصلح شاهدا على الاخلاص في ما يطلبه ذوو العلم ،
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 513
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٥١٣