كلمة في الحياة العلميّة مستطردة ( 1 )
لقد كان - في ذلك العهد وما قبله - للعلوم الإسلاميّة وما إليها من المعارف والفنون سلطان مشيّد الأركان ، رفيع البنيان ، وكانت له دولة بعيدة الأثر في الحياة العامّة يرجو بها الناس خير الدنيا والآخرة ، ويتوسّلون بأسبابها إلى كلّ فوز وفلاح ، فيلوذون إلى ذراها ، ويعتصمون بعراها ، ويتولّون أولياءها ، منصرفين إليهم عمّن سواهم ، غير آبهين في المهمّات كلّها بمن عداها ، مسوقين إلى طاعتهم بدافع من العقيدة ، وحافز من الثقة والاطمئنان ، فإذا خضعت الأمم للدول السياسيّة ، ونجعت لأحكامها خشية البطش وحذر القوّة ، فإنّ الامّة الإسلاميّة كانت يومئذ خاشعة لدولة العلم والدين ، نزولا على حكم الإيمان ؛ إذ أنّ دولة العلم بالأحكام الإلهيّة ليست غير دولة اللّه - تعالى سلطانه - تصدع بأحكامه ، وتشرح قواعده التي عليها المدار في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
فمن هنا كانت الدولة العلميّة يومئذ بمثابة تعنو لها الجباه ، وتملأ الصدور هيبة وإجلالا ، وارفة الظلال ، مبسوطة الأفناء .
ومن هنا كانت عواصمها مثابة للناس وأمنا ، ينفر إليها من كلّ فرقة طائفة «
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
» « 1 » ، «
يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
» « 2 » .
شرح
( 1 ) لمّا انتهى بنا الكلام إلى الحياة العلميّة رأينا من المناسب أن نلمّ بها على سبيل الاختصار كما هو الشأن في كلّ ما يذكر مستطردا .
هامش
( 1 ) - . التوبة 122 : 9 .
( 2 ) - . الحجّ 27 : 22 - 28 .