تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
نفسه انقباضا أوّل الأمر إيثارا للعزلة ؛ ولأن يتقدّمه أخ من إخوانه يضطلع بالمسؤوليّة التي يخشاها ويخاف تبعاتها ، ويشفق أن لا يكون قويّا في أداء بلاغ مركزها المرجوّ لحياة امّة تلتمس جمال الحياة في أفواه علمائها وصدورهم وآثارهم . هذا شاهد لا أصدق منه ، على أنّ القوم مؤمنون حقّا يتغلغل الإخلاص في أعماق نفوسهم فيبلغ إلى قرارتها ، فيتجافى بهم عن الشره والاستكلاب ، ويتناءى عن الشكّ والارتياب ، ويعرج بهم إلى سماوات الواقع والصدق والفضيلة ، فيستشرفون من الزعامة مركز المصلحة لا مصلحة المركز ، ويستقبلون قيادة الكرسي لا كرسي القيادة . وهذا هو السرّ الذي ادّعيناه للنهضة العلميّة ، وبنينا عليه تلك الوثبات إلى الخير والصلاح ، ولا ننكر أنّ روحيّة الوسط ساعدت هذا السرّ مساعدة كبرى ، وأنّ مظاهر التشجيع والطاعة والانقياد أسهمت في كلّ ذلك بحظّ غير يسير ، فكان من مجموع ذلك ما قلناه من إخصاب التربة ، وسداد الوثبة ، ونماء الغرس . وإنّه ليؤسفني أمضّ الأسف أن يتراءى لي - وأنا أدوّن هذه الذكريات - شبح كريه مهول يقبض على تلك الأحلام الذهبيّة بكفّ مخيفة الأظفار ، خبيثة المخالب ، ثمّ يقف بها في مهبّ الرياح ، ومختلف العواصف ؛ ليلقي بها في أعصار فيه نار يلتهم زهو أشكالها ، ويبتلع جهد أبطالها ، ويشوّه رونق جمالها . واحسرتاه ! . . . وهل لنا يدان بإرجاع من نسل من الصفوف العلميّة فانسلّ منها متقهقرا ؛ خوفا ممّا في يد هذا الشبح ، أو طمعا بما في يده الأخرى من بهارج وتزاويق لا تروي ظمأه ، ولا تسدّ جوعه ؟ ويضاعف الأسف في نفسي أنّي شاهدت تلك الدولة العتيدة في أبّان عظمتها ، وريعان أيّامها تتعالى في بناء شامخ مشيّد يطاول السماء علوّا وارتفاعا ، ثمّ إنّي أشاهد هذا البناء الرفيع يتضاءل ، لولا بقيّة من الماضي ، وميض يكشف ما استطاع من تكاثف الظلمات حوله ، ويجاهد بعزمة من الماضي القريب ، وإنّي خشيت اندراس أخبار هذه
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 515 | السيد عبد الحسين شرف الدين / مركز العلوم والثقافة الإسلامية