ولا سيّما حرّ كالصدر ، وعاد النضال في ذلك الجوّ الملئ بالدسائس عملا عقيما مبتذلا تأباه النفوس المطبوعة على غرار نفس السيّد الصدر ، لذلك اعتصم بنفسه متعاليا عن تلك الحياة الراكعة ، غير أنّ هذا الحادث ترك في نفوس الناس جرحا كتموا آلامه أوّل الأمر تحت ضغط السلطة المسيطرة .
وشجّع كتمانه السلطة على الإمعان في مثل هذه الأمور التي بدأ الناس يحصّلونها ويجمعون منها أسباب الوثبة على هذه الطبقة من أعوان الإنكليز التي استأثرت بالحكم ، وأساءت التوزيع ، وشجّعت على الرشوة والاحتكار ، وأفسدت الحياة إفسادا عظيما ، ومضت على النحو أربع سنين ، حتّى إذا أثيرت مسألة تعديل معاهدة سنة 1930 بمعاهدة غرّة عام 1948 ، التي سمّيت بمعاهدة « بورت سموث » عندئذ استيقظت كلّ تلك الأسباب ، ووثبت باسم رفض المعاهدة الجديدة الجائرة التي كانت آخر تلك الأسباب من أسرار وثبة عام 1948 .
وحدث في بغداد في النصف الأخير من كانون الثاني انقلاب خطير ، وقف فيه الشعب يجاهد الحكومة جهادا عنيفا ، ووقفت فيه الحكومة تصاول بالرصاص الشعب الأعزل إلّا من وعيه وإيمانه في ليال سود عبرت بالعراق ، فما عرف تأريخ العراق الحديث أشدّ منهم هولا ولا حيرة ولا خطرا .
وبينما كانت المعركة دائرة في ميادين بغداد التقى السيّد الصدر ونوري السعيد على جناحي سمو الوصيّ على عرش العراق الأمير عبد الإله ، وكان من رأي نوري السعيد أن تمضي الحكومة شديدة فتأخذ الواثبين بأقسى القسوة ، وكان من رأي الصدر أنّ رأي نوري مظلم غير جدير بعصر النور ، وأنّ إقالة الحكومة أمر لا بدّ منه إذا كانت البلاد ممّا يؤبه له ، وأنّ رفض المعاهدة بعد إقالة الحكومة ضرورة وطنيّة لا يستغنى عنها .
وبعد معركة بين هذين الرأيين دامت أربعا وعشرين ساعة انتصر السيّد الصدر وانهزم نوري السعيد شرّ هزيمة .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 362
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٣٦٢