في محنة كانون الثاني سنة 1948
وتأبى الحوادث في دورانها المختلف العجيب ، إلّا أن يكون اختلافها دليلا على « معنى » السيّد محمّد المستقرّ الذي هو « الزعامة » بمعناها العلمي .
فقد كنّا أثبتنا كلامنا الآنف عنه سنة الأربعين بعد محنة أيلول ، وقبل أن تدور الأحداث هذا الدوران العجيب خلال ثماني سنوات حتّى تقف في وثبة العراق في كانون الثاني سنة 1948 ؛ لتخرج هذا الدليل الجديد الأنصع من ليال سود عبرن بالعراق فما عرف في تأريخه أشدّ منهنّ حيرة ولا خطرا ، ولم ينقذه منهنّ إلّا منقذ العراق الخالد في تاريخه الحديث ، إذ لجأ إليه الحكم مستجيرا على كره ، فقبله مضحيا على كره أيضا .
ولا يتّسع موضوع هذا الكتاب لتفصيل تلك الحوادث ؛ لأنّ تفصيلها يخرجنا عن الترجمة إلى تأريخ العراق السياسي ، وذلك ما يحتاج إلى كتاب مستقلّ ( 1 ) غير أنّنا سنشير إلى ما يتّصل بالمترجم له باختصار نجتزئ منه بما يوضح بعض أسرار هذه الحوادث التي تقرّر « معنى السيّد محمّد المستقرّ » .
ونبدأ من سنة الأربعين إذ خرج السيّد محمّد الصدر من محنة أيلول زعيما لا يطاول ، ونافذا ثنيت له الوسادة ، وكان من الطبيعي أن يخرج من ذلك الموقف الفريد بهذا الظفر الذي جعله أقوى رجال الدولة بلا منازع ؛ لأنّه انفرد برأي جهر له في محنة ، ثمّ رجع إليه العراق كلّه بعد انكشاف تلك المحنة .
وكما كان من الطبيعي أن يكون أقوى رجال الدولة بعد موقفه ذلك كان من الطبيعي
شرح
( 1 ) فصّل ولدنا صدر الدين هذه الحوادث في كتابه سحابة بورتسموث تفصيلا علميّا دقيقا وأرجع كلّا منها إلى مصدره ، وكتابه هذا يعتبر مصدرا لهذه الفترة من تأريخ العراق السياسي .